حجم الخط:

[التوازن في حياة الداعية]:

ومن المعلوم أن حياة الداعية الحق تقوم على الموازنة الحكيمة في أموره كلها، سواء منها ما كان من أمور الدنيا أو الآخرة، فلا تشغله أمور الدنيا عن أمور الآخرة، ولا تشغله أمور الآخرة عن أمور الدنيا، وإنما يوازن في أعماله وتصرفاته بين ما يجب عليه فعله لتستقيم أمور حياته في هذه الدنيا، وما يجب عليه فعله ليضمن الفوز في الآخرة والنجاة من النار.

ومن المساوئ التي تقع في حياة بعض الدعاة ذلك الالتباس في بعض الأمور؛ حيث يظن أن العناية بأسرته وتربيته لأولاده وتوجيههم التوجيه الإسلامي السليم من أمور الدنيا فيتساهل فيها، وهي في الحقيقة من أعمال الدنيا والآخرة معا. ومن هنا نراه يفضل على عنايته بأسرته الانصراف إلى توجيه الناس ودعوتهم إلى الحق، وتبيان معالمه في شتى شؤون الحياة، فإذا هو داعية كبير من الدعاة، لا تكاد تراه إلا في حلقة من حلقات التوجيه، أو في مؤتمر من مؤتمرات الإصلاح، أو في اجتماع يتدارس فيه الدعاة أمور الدعوة والدعاة، ومثل هذا الداعية الصادق المندفع إلى العمل في سبيل الله، لا يكاد يرى زوجه وأولاده إلا وقتًا ضئيلاً لا يكفي للتعرف على أحوالهم، والوقوف على مسار تكوينهم النفسي والعقلي والفكري والاجتماعي، وحجته في ذلك أنه مشغول بأمور الدعوة، ولا وقت لديه للجلوس إلى أولاده ليتفقد أحوالهم، ويعرف الكتاب الذي يقرأون، والرفيق الذي يصاحبون، والأعمال والهوايات التي يزاولون. وإذا هو يفاجأ بعد مدة تطول أو تقصر بانحراف ابنه أو ابنته، أو تقصيرهما على الأقل في واجباتهما الإسلامية، أو غير ذلك مما لا ينبغي أن يقع في بيت مسلم، على رأسه داعية عامل في سبيل الله. وقد يقع هذا الانصراف والذهول من الداعية، فترتد مساوئه وأضراره على الأولاد؛ ولاسيما البنين. وما كان شيء من ذلك ليقع غالبًا لو أن الداعية قد وقر في نفسه أن واجبه نحو أسرته أكبر من واجبه نحو الناس الآخرين، وأن مسؤوليته عن صياغة نفوس أسرته وتربيتهم التربية الإسلامية اللائقة مقدمة على مسؤوليته عن دعوة الآخرين إلى الخير وتوجيههم التوجيه السليم.

فخير الدعاة خيرهم لأهله، والداعية الحكيم هو الذي يوازن بين واجباته نحو أسرته وواجباته نحو دعوته، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه من الوقت والجهد والعناية والاهتمام، بحيث لا يطغى جانب على جانب.

وليس هذا الأمر بالعسير إذا عرف الداعية كيف ينظم وقته، وكيف يوزع واجباته على وقته. فالتخطيط وتنظيم الوقت وتوزيع الأعمال على الأوقات من أهم ما ينبغي أن يتحلى به الداعية المعاصر في هذه الأيام التي كثرت فيها الأعمال وتشعبت، وازدادت الضغوط على الإنسان وتعددت.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة