4- جواز الجهر بالسوء عند الظلم:
قال تعالى: { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } [النساء:148]، فالأصل: تحريم الجهر بالسوء، ومنه: التشكِّي أو الدعاء على الآخرين أو ذكر مساوئهم، والاستثناء هنا أن يكون الجاهر بالسوء مظلومًا، حيث يكون معذورًا بحسب مظلمته، والأمور تقدر بقدرها. ولقد جاء في تفسير الآية الكريمة: (عن مجاهد: إلا من ظُلِم فانتصر، يجهر بسوء، قال: نزلت في رجل ضاف رجلًا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنزلت: { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ }، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك)[1]. حتى في حال أن يكون المظلوم مقذوفًا بالزنى مثلًا، فهنا يحق له شرعًا أن يدعو على ظالمه، لكن لا يجوز مبادلته بالقذف.
وهنا يقول القرطبي رحمه الله: (والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه- ولكن مع اقتصاد- إن كان مؤمنًا، كما قال الحسن، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا)[2].
فمن مجموع أقوال العلماء: نجد أن البرامج الحوارية لها أن تراعي المصالح المختلفة- الفردية والجماعية- في قضية الجهر بالسوء وفي عرض مشكلات الناس، فلئن كان الجهر بالسوء ببيان وقوعه وإظهاره للآخرين جائز بحق من لم ينل حقه في الضيافة أو في مطل غني عن أداء حقوق الناس وما يشبه ذلك من الأحوال الفردية.. فإن ظلم مجتمعات وأكل حقوقها وحرمانها من أبسط المقومات للحياة وشيوع الفساد، وغير ذلك.. يبيح الجهر بفضح تلك الممارسات من باب أولى.
لكن يكون هذا بشرطين:
أولًا: ألا تكون الاتهامات جزافًا، وإنما بعد تحقق واستيثاق.
وثانيًا: أن يكون ذلك النقد بموضوعية وعفة لسان.
فلا حرج من التشكِّي، لكن دون نزول إلى الأساليب الخسيسة أو الأقوال الدنيئة.