من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز أن تسلب منه بحال من الأحوال: حرية إبداء الرأي؛ فمن حق الإنسان أن يفكر، وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيه فيما يراه من عوج وفساد، وأن ينكر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم، ولقد جاء الأمر بذلك في أدلة عدة، مثل الحديث الوارد عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ، أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أو شَهِدَهُ أو سَمِعَهُ»، فقال أبو سعيد: وددت أني لم أكن سمعته، وقال أبو نضرة: وددتُ أني لم أكن سمعتُه[1]؛ أي: خوفًا مما حمَّلهم ذلك العلم من وجوب النطق بالحق واستشعارهم التقصير في التطبيق.
وفى الحديث أيضًا: عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَصِلَ رَحِمِي، وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَنْ لا تَأْخُذَنِي فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ..»[2].
ورحم الله سيدنا عمر رضي الله عنه القائل: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها».
وتعد حرية الرأي مثل الأم لسائر الحريات، فما الحريات الأخرى إلا مظهر من مظاهر حرية الرأي، إذ إن جميع هذه الحريات ترجع إليها.
وما دامت الضوابط المتعارف عليها من حفظ حقوق الآخرين ومن حفظ مقام الشريعة وقيم المجتمع.. مصونة، فلا حرج بعدها من إبداء الرأي في أي موضوع.
لكن لا يعني هذا أن يُتلاعب بدين الله، ويتخذ بعض المغرضين الحرية سبيلًا للإساءة، فيثير تساؤلات حول ما يشكك الناس في عقائدهم أو قيمهم أو يبلبل أفكارهم، وما زال الغرب مثلًا يحرص على حفظ قيم مجتمعه، بل قد يعاقب ويحاكم من أساء إلى أفكار ثابتة عنده أو ما يعده حقائق، على غرار محاكمة جارودي الذي اعترض على ادعاءات اليهود في محارق الهلوكوست.