السؤال: يوجد كتيب يطبع كل عام ويباع علناً، وصاحبه يزعم فيه أنه يعلم ما يحدث من أول العام إلى آخره، ويذكر اسم الحكومات والشعوب والأشخاص أحياناً، ويضع أمامهم رموزاً وأعداداً تحتمل معان عدة، فما هو حكم الإسلام فيمن يزعم أنه يعرف ما يحدث قبل وقوعه وفيمن يصدقه في ذلك، أفتونا مأجورين؟
الجواب:... الإسلام دين العمل لا دين الأمل، والإسلام دين الحقيقة لا دين الخيال. والله سبحانه وتعالى يحب أن يرى المسلم شجاعاً متوكلاً على الله لا يخاف غير الله، وبالعمل والشجاعة والتوكل على الله انتصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على المشركين، وهكذا انتصر الصحابة والتابعون على أعدائهم من الفرس والروم والقبط والقوط وغيرهم من الأمم والشعوب، وكانت الحرب بينهم وبين أعدائهم سجالاً، والعاقبة للمسلمين، ولو كان الصحابة والتابعون يطالعون كتب المنجمين أو يتصلون بأهل الرمل أو العرافين لاتكلوا على النصر الذي سيزعمه المنجم، وتركوا الاستعداد للعدو والتضحية بأرواحهم في النصر على الأعداء، وعاشوا على الخيال إلى أن يقضي العدو عليهم كما أنهم لو أخبروا عن المستقبل بأنه في غير صالحهم لذلوا وخافوا، وأصبحوا في هم وحزن، وتوقع للشر قبل وقوعه، وأعانوا العدو على أنفسهم بالخوف المتوقع وبالانتظار للهزيمة المزعومة والفشل الموهوم؛ لأن من طالع كتب المنجمين لا بد وأن يصبح خائفاً من شيء متوقع أو مرتاحاً لشيء منتظر...
وإنما الذي ينتج من مطالعتها الذل والخور والخوف وتوقع الشر، كما ينتج في بعض الأحيان من المطالعة لها أن يعيش من طالعها على الخيال والأمل والأماني، ويترك العمل ركوناً على السعادة التي قد تخيلها من كلام المنجم أو العراف أو صاحب الرمل أو غيرهم ممن يتدخل بين ابن آدم وبين المستقبل بادعائه معرفة ما سيكون قبل أن يكون، ولا عيش لمن كان خائفاً متوقعاً حدوث الشر عليه، كما أنه لا عيش لمن يعيش على الأمل والخيال، ولا سيما إن كان المطلع ضعيف الإرادة أو كان من المؤمنين بما يقوله المنجمون والعرافون، لا جرم انه سيقضي على مستقبله بأن يترك العمل منتظراً الخير الموهوم أو يعيش في خوف وقلق وهم وتوقع للشر المزعوم؛ لأن ما يقوله المنجم على حالين: أما أنّه سيكون الشر واقعاً فسيكون المرء معذباً بالتوقع أكثر من عذابه بالشر عند وقوعه، وإما أنه سيكون قول المنجم كذباً وغير واقع فسيكون المرء معذباً بشيء لا أصل له في الواقع بل بشيء لم يقع ولن يقع. هذا إن كان المنجم قد أخبر بشر في المستقبل. أما إذا كان قد أخبر بخبر فسيكون المصدق له أسيراً لهذا الخبر فيترك العمل ويعتمد على قول المنجم...
كما وقع لبعض الملوك الذين كانوا يصدقون المنجمين ويعتمدون على أقوال أهل الرمل والعرافين، ولهذا جاءت الأحاديث بالنهي عن إتيانهم وتصديقهم كما في حديث «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ»[1]. هذا والله ولي الهداية والتوفيق. [من فتاوى العمراني]