الوقفة الثانية: في بيان ميزان المفاضلة في المصالح والمفاسد:
لا شك أن معرفة مراتب المصالح والمفاسد أمرٌ في غاية الأهمية؛ إذ يترتب عليه إمكان الترجيح بينها في حال التزاحم والتعارض، ولا يكون ذلك إلا عن طريق القرآن والسنة، فهما اللذان يقرران ميزان التفاضل في سائر الأعمال، ولذلك فإن تتبع نصوص الشرع واستقراءها يفيد في معرفة ما يمكن أن يُقدَّم من المصالح أو المفاسد عند التعارض، وإهمال هذه النصوص أو الجهل بها سببٌ لعدم صحة الحكم في هذه الحال؛ لأن الغالب هنا هو حصول الانحراف عن الطريق الصحيح في الموازنة والترجيح.
ولهذا فإن الذي يمكن أن يُفوَّض إليه وظيفة الموازنة بين المصالح والمفاسد في أحكام الشرع هو العالم المجتهد الذي اطلع على أدلة الشرع واستوعبها، وتشبَّع بالنظر في تعليلات أحكامه ومقاصده العامة والخاصة، ولا حظ في هذا لمن فقد هذه المنزلة اللهم إلا إذا كان في مصلحةٍ أو مفسدةٍ فرديةٍ دنيويةٍ، فربما يوكل إلى من وقعت له أو من له الخبرة بأمر الموازنة فيها.