المسألة الرابعة: تنبيهان متعلقان بهذه القاعدة:
التنبيه الأول: أنه قد ذكر مؤلفو (مجلة الأحكام العدلية) هذه القاعدة بلفظها المتقدم، كما أنهم ذكروا قاعدةً أخرى توافق هذه القاعدة من جهة المعنى، وتختلف عنها من جهة اللفظ، وهي قاعدة: (ما ثبت بزمانٍ يُحكم ببقائه ما لم يوجد المزيل)[1]، فهما قاعدتان متطابقتان في المعنى والأمثلة.
ولكن هذه القاعدة المذكورة هنا تنفرد بذكر قيدٍ في نصها لم يأتِ ذكره في نص قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وهذا القيد هو قولهم في القاعدة: (ما لم يوجد المزيل) أي الدليل الدال على عدم البقاء ووقوع التغير، فيُفهم من هذا أنه إذا وُجد المزيل لا يُحكم ببقاء الشيء بل يُحكم بزواله، مثال ذلك: إذا ثبت ملك شيءٍ لأحدٍ ما، فإنه يحكم ببقاء الملكية ودوامها لذلك الشخص، فإذا ثبت أن ذلك الشيء انتقل ملكه لشخصٍ آخر بسببٍ من أسباب انتقال الملكية فإنا نحكم بزوال ملك ذلك الشخص؛ لوجود ما يزيل البقاء الثابت.
التنبيه الثاني: أننا قد ذكرنا عند بيان مكانة القاعدة الكبرى وأهميتها أن لها صلةً بعلم أصول الفقه من جهة ارتباطها بالاستصحاب المذكور دليلاً من الأدلة في أصول الفقه.
ولبيان هذه الصلة وتوضيحها هنا نقول: إن قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) تمثل نوعاً من أنواع الاستصحاب الذي يذكره الأصوليون، والاستصحاب يُعرِّفه علماء الأصول بانه: ثبوت أمرٍ في الثاني لثبوته في الأول؛ لعدم وجدان ما يصلح أن يكون مغيِّراً بعد البحث التام[2].
والنوع الذي تمثله هذه القاعدة من أنواع الاستصحاب هو ما عبَّر عنه العلائي بقوله: (النوع الثالث: استصحاب حكمٍ دل الشرع على ثبوته ودوامه - كالملك عند جريان السبب المقتضي له، وكشغل الذمة عند إتلافٍ أو التزامٍ - إلى أن يثبت معارضٌ راجحٌ على ذلك يرفعه... وهذا هو الذي نتصدى للكلام عليه في هذه القاعدة)[3].
ثم إن (الاستصحاب) ينقسم باعتبار زمن الشيء المستصحب إلى قسمين:
القسم الأول: جعل الأمر الثابت في الماضي مستصحباً للحال، ومن هذا النوع هذه القاعدة وما تفرع عنها من أمثلة.
القسم الثاني: جعل الأمر الثابت في الحال مستصحباً في الماضي، ويسمى هذا النوع: الاستصحاب المقلوب أو المعكوس، كما يُسمى: تحكيم الحال.
ومن أمثلة هذا القسم:
لو استأجر شخصٌ داراً، فلما مضت مدة الإجارة وطالب المؤجرُ المستأجرَ بالأجرة امتنع المستأجر، واعتذر بأن الدار كانت معيبةً، وأنه لم يتمكن من الانتفاع بها، وليس هناك بينةٌ، فإنه يُنظر إلى حال الدار عند الخصومة؛ فإنْ كانت الدار معيبةً فإن هذه الحال تُستصحب في الزمن الماضي، ويُصدَّق المستأجر، وإنْ كانت الدار عند الخصومة سليمةً، فإن هذه الحال تُستصحب في الزمن الماضي، ولا يُصدَّق المستأجر، بل يُصدَّق المؤجر.
وإنما سُمِّي هذا النوع بتحكيم الحال؛ لأن الحال القائمة هي التي تُحكَّم في المسألة.