المسألة الثانية: الفروع المبنية على هذه القاعدة:
الفروع الفقهية المبنية على هذه القاعدة يُمكن ذكرها من خلال ذكر أوجه تعذر الحقيقة، وهي ثلاثة أوجهٍ:
الوجه الأول: التعذر الحقيقي، وهذا الوجه له صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون إرادة المعنى الحقيقي ممتنعةً:
ومثالها: ما لو وقف شخصٌ شيئاً على (أولاده)، ثم لما نظرنا بعد ذلك لم نجد له أولاداً، ولكن وجدنا له أولاد أولادٍ، فإن الوقف يكون لهم؛ لأن لفظ (الولد) حقيقةٌ في الولد المباشر، ومجازٌ في الولد غير المباشر، وقد امتنع هنا حمل الكلام على معناه الحقيقي؛ لعدم وجود أولادٍ مباشرين لهذا الشخص، فيُحمل اللفظ على مجازه؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
الصورة الثانية: أن تكون إرادة المعنى الحقيقي ممكنةً، ولكن بمشقةٍ:
ومثالها: ما لو حلف شخصٌ على الأكل من هذه الشجرة، فإن ذلك حقيقةٌ في الأكل من خشبها وأوراقها، وهذا ممكنٌ ولكن بمشقةٍ، لذلك فهو في حكم الممتنع حقيقةً، فيُصار إلى المجاز، وهو الثمر، فلا يحنث هذا الشخص إلا إذا أكل من ثمر هذه الشجرة؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
الوجه الثاني: التعذر العرفي، وذلك بأن يكون العرف هو الذي أدى إلى هجران الحقيقة، فيُحمل الكلام حينئذٍ على المجاز، ومثاله: ما لو حلف شخصٌ أن لا يضع قدمه في دار فلانٍ، فإن ذلك حقيقةٌ في وضع الجزء المعروف من الجسد فقط، ومجازٌ في الدخول عليه في بيته، وقد دل العرف على عدم إرادة هذا المعنى الحقيقي، فيُحمل الكلام على مجازه، ولا يحنث هذا الشخص إلا إذا دخل البيت؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
الوجه الثالث: التعذر الشرعي، وذلك بأن يكون الشرع هو الذي أدى إلى هجران الحقيقة، ومثاله: ما لو وكَّل شخصٌ شخصاً آخر بالخصومة، فإن الخصومة حقيقةٌ في المنازعة، ومجازٌ في المرافعة عن هذا الشخص عند القاضي في دعوًى ما، وقد دلَّ الشرع على عدم إرادة المعنى الحقيقي؛ لأن الشرع قد منع من المنازعة، فيُحمل الكلام على مجازه، ويكون هذا الشخص وكيلاً له في المرافعة؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.