إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبحانك ربنا، لك الحمد والشكر والثناء، جعلت الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسلوى الطائعين، وقرة عيون المؤمنين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أفضل البرية، وسيد البشرية، إمام المتقين، وقدوة المصلين الخاشعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومَن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله ربكم ربَّ العالمين، وكونوا بدينكم مستمسكين، وعلى عموده محافظين، وفيه خاشعين خاضعين، تسلكوا سبيل المفلحين، وهذا وايم الله غاية العاملين.
معاشر المسلمين: الإنسان في خضم مشاغل الحياة الدنيوية، وما تفرزه الحضارة المادية من مشكلات نفسية، وتوترات عصبية، يحتاج حاجةً مُلحّة إلى ما ينفس عن مشاعره، ويخفف من لأوائه ومصائبه، ويبعث في نفسه الطمأنينة القلبية، والراحة النفسية، بعيدًا عن العُقد والاكتئاب، والقلق والاضطراب. وهيهات أن يجد الإنسان ذلك إلا في ظل الإسلام وعباداته العظيمة، التي تمثل غذاء روحانيًا نافعًا، ودواء نفسانيًا ناجعًا، لا نظير له في الأدوية المادية.
إخوة الإيمان: تحل بالأمة حوادث وبلايا، وتصاب بكوارث ورزايا، تشغلها عن قضاياها الأصلية، وثوابتها الشرعية، وتمرّ بالأمة المناسبات والمواسم، فتأخذ حقَّها من التذكير والاهتمام، غير أن حديث المناسبة وكلِّ مناسبة موسمٌ عظيم، ومنهل عذب كريم، يتكرر كلَّ يوم خمس مرات، وكثير من الناس في غفلة عن تحقيق آثاره، والعناية بمكانته وأسراره، يقول ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرًا غَمْرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلَّ يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟!» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثلُ الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا»[1].
معشر المسلمين: إنه نتيجةً لارتماء كثير من الناس في أحضان الدنيا، والتنافس المحموم في جمع حطامها، وانشغال القلوب والهمم بها، ونسيان المستقبل الدائم والدار الحقيقية، والغفلة عن العمل لها، في هذه الدوامة تناسى بعضهم مكانة هذه العبادة العظيمة، فلم يبالوا بها، ولم يكترثوا بإقامتها، وصدق فيهم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم:59].
وصنف آخر يؤديها ولكن مع الوقوع في الزلل، والاستمرار في الخلل، يصلُّون ولكن لا تُرى آثار الصلاة عليهم، لا يتأدبون بآدابها، ولا يلتزمون بأركانها وواجباتها، صلاتهم صورية عادية، لإخلالهم بلبها وروحها وخشوعها، يصلون جسدًا بلا روح، وبدنًا بلا قلب، وحركاتٍ بلا مشاعر وأحاسيس، صلاتهم مرتعٌ للشـرود والوساوس، والسـرحان والهواجس، يأتي الشيطان أحدهم وهو في صلاته، فيجعله يصول ويجول بفكره في مجالات الدنيا، يتحرك ويتشاغل، يستطيل ويتثاقل، ويلتفت بقلبه وبصره إلى حيث يريد، فينفتل من صلاته وهو لم يعقل منها شيئًا، بل لعلَّ بعضهم لا يعقل منها إلا قليلًا، حتى إن بعضهم لو سألته عما قرأ الإمام في الصلاة الجهرية لم يدرِ، بل لو سألت البعض عما قرأه هو في صلاته لم يعرف لشدة شروده وذهوله وقلة خشوعه وحضوره، وإذا كانت الصلاة هكذا فلا تسأل عن الأحوال، وسيِّئ الفعال، وقبيح الخصال، بعد الصلاة فحشٌ في القول، وإساءة في الفعل، وأكل للحرام، وتعسُّف في الأخلاق، واجتراح للسيئات، وإصرار على المعاصي والمنكرات، وربما تساءل بعضهم: ألم يقل الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت:45]، فأين نحن من هذه الآية؟! فنحن نؤدي الصلاة ولكن لا أثر لها في حياتنا، ولا ثمرة لها في واقعنا وتغيير أحوالنا، وتحسُّن مناهجنا، وصلاح سائر جوانب حياتنا!!
إخوة العقيدة: إن الصلاة التي يريدها الإسلام هي التي تمثل المعراج الروحي للمؤمن، حيث تسمو روحه كلما قام مصليًا في فريضة أو نافلة، منتقلة من عالم المادة إلى عالم العلو والصفاء، والطهر والنقاء، وفي ذلك مصدر السعادة والسرور، ومبعث الطمأنينة والحبور، وكان ذلك ديدنَ الأنبياء جميعًا عليهم صلوات الله وسلامه، وهكذا كان الحبيب المصطفى القدوة، «إذا حزَبه أمر فزع إلى الصلاة»[2]، ومعنى «حزبه أمر» أي: أصابه واشتد عليه.
أيها الأحبة: الصلاة غذاء القلوب، وزاد الأرواح، مناجاةٌ ودعاء، خضوع وثناء، تذلل وبكاء، وتوسل ورجاء، واعتصام والتجاء، وتواضع لكبرياء الله، وخضوع لعظمته، وانطراح بين يديه، وانكسار وافتقار إليه، تذللٌ وعبودية، تقرب وخشوع لجناب الربوبية والألوهية، إنها ملجأ المسلم، وملاذ المؤمن، فيها يجد البلسم الشافي، والدواء الكافي، والغذاء الوافي، إنها خير عدة وسلاح، وأفضل جُنَّة وكفاح، وأعظم وسيلة للصلاح والفلاح والنجاح، تنشئ في النفوس، وتذكي في الضمائر قوةً روحية، وإيمانًا راسخًا، ويقينًا عميقًا، ونورًا يبدد ظلمات الفتن، ويقاوم أعتى المغريات والمحن، وكم فيها من الأسرار والحكم، والمقاصد والغايات التي لا يعقلها كثير ممن يؤديها، فما أعظم الأجر وأوفر الحظ لمن أداها على الوجه الشـرعي، أخرج الإمام أبو داود في سننه أن رسول الله قال: «خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، مَن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن؛ كان على الله عهدٌ أن يغفر له»[3].
إخوة الإسلام: لا يخفى على كل مسلم بحمد الله مكانة الصلاة في دين الله، ومنزلتها في شرع الله، فهي عمود الإسلام، والفاصل بين الكفر والإيمان، وإذا كانت بهذه الأهمية والخطورة، فإن الذي يحز في النفس، ويؤلم القلب أنه لا يزال في عِداد المنتسبين إلى الإسلام من لا يرفع لها رأسا، ولا يرى في التهاون بها بأسا، ما بال أقوام يعيشون بين ظهراني المسلمين قد خفّ ميزان الصلاة عندهم، وطاش معيارها، بل لربما تعدّى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهل ينتهي أولئك قبل أن يحلَّ بهم سخط الله، وتعاجلهم المنية وهم على هذه الحال السيئة؟!
أيها الإخوة المصلون: المداومون الخاشعون.. لِتَهْنِكُم الصلاة، ويا بشرى لكم ما شرح الله له صدوركم من هذه الفريضة العظيمة، وهنيئًا لكم ثوابُ الله وفضله العاجل والآجل، لقيامكم بهذا الواجب الشرعي العظيم، ولكن يا أيها المصلون لتعلموا أن للصلاة المقبولة شروطًا وأركانًا، وواجبات وآدابًا، لا بد من الوفاء بها، كما أن هناك مسائل مهمة وأخطاءً شائعة، يحتاج المصلون إلى معرفتها، وقد ورد عند أحمد وغيره: «إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»[4]، وذلك بِعَدَم تمام ركوعها وسجودها وخشوعها، كما ورد عند أبي داود وغيره: «إن المصلي لينصرف من صلاته وما كُتب له إلا ربعها، أو خمسها...» حتى بلغ عشرَها[5]، وهذا يدعو المسلم المصلي إلى أن يتنبه لشأن صلاته، حتى لا يخسر الثواب، ويبوء بالعقاب، متعهدًا طهارتها وشروطها وأركانها وواجباتها، مجتهدًا في الخشوع فيها، فهو لبها وروحها.
أمة الإسلام: لقد مدح الله المؤمنين وأثنى عليهم، ووصفهم بالخشوع له في أجلّ عباداتهم، ورتَّب على ذلك الفوز والفلاح، فقال جل وعلا: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون:1-2].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح» وقال ابن رجب: (وأصل الخشوع لين القلب ورقّته، وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، لأنها تابعة له)، وقد رأى بعض السلف رجلًا يعبث بيده في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)، روي ذلك عن حذيفة وسعيد بن المسيب، ويُروى مرفوعًا لكن بإسناد لا يصح، وفي معنى الخشوع في الصلاة يقول علي بن أبي طالب: «هو الخشوع في القلب، وأن تُلين كَنفَك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك يمينًا ولا شمالًا»، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون:2]، قال: «خائفون ساكنون»، وعن الحسن رحمه الله قال: (كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح)، وقال ابن سيرين: (كانوا يغضون أبصارهم إلى موضع سجودهم)، وحكي عن مسلم بن يسار أنه كان يصلي في مسجد البصرة، فسقط حائط المسجد ففزع أهل السوق لهزّته فما التفت، ولما هُنِّئ بسلامته عجب وقال: ما شعرت به.
الله أكبر، هذا هو هدي السلف الصالح ﭭ، الذين كانت قلوبهم تستشعر رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله، فتسكن وتخشع، فيسري الخشوع منها إلى جميع الجوارح، وكلِّ الحركات والملامح، ويغشى أرواحَهم جلالُ الله وعظمته، وهم يقفون بين يديه، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل، عندما يشتغلون بلذيذ المناجاة للجبار سبحانه وتعالى ، ويتوارى عن حسِّهم في تلك الحالة كلُّ ما حولهم، فيتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة، وعندئذ تتضاءل الماديات، وتتلاشى جميع الدنيويات، وحينئذ تكون الصلاة راحة قلبية، وطمأنينة نفسية، وقرة عين حقيقية، كما قال النبي في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن أنس: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة»[6]، وعند أبي داود وغيره أن رسول الله قال: «قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة»[7].
الله أكبر، إنها الراحة الدائمة للنفوس المطمئنة، لكي تشعر من خلال أدائها أنها تناجي من بيده ملكوت كل شيء، وأن المصلي حينما يكبّر ويرفع يديه إنما هو تعظيمٌ لله، وإذا وضع اليمنى على اليسرى فهو ذلّ بين يدي مولاه، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: (هو ذلّ بين يدي عزيز)، وإذا ركع فهو إقرار بعظمة الله، وإذا سجد فهو تواضعٌ أمام علو الله، وهكذا يكون المسلم في صلاته، يوثق الصلة بمولاه، ليفوز بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عثمان عن النبي قال: «ما من امرئ مسلم تحضـره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تُؤت كبيرة، وذلك الدهر كله»[8].
أيها الإخوة المصلون: إن المصلي حقًا من يقيم الصلاة كاملة الفرائض والأركان، مستوفيةَ الشروط والواجبات والآداب، يستغرق فيها القلب، ويتفاعل من خلالها الوجدان، ويحافظ عليها محافظة تامة قدر الطاقة، يبعثه على ذلك قلب يقظ، وشعور صادق، وإحساس مرهف، وضمير حيّ، فينصرف بكليته إلى الصلاة؛ لأن الخشوع فيها إنما يحصل لمن فرّغ قلبه لها، واشتغل بها عمّا عداها، وآثرها على غيرها.
ومنزلة الخشوع من الصلاة كمنزلة الرأس من الجسد، فالذي يجعل الصلاة مرتعًا للتفكير في أمور دنياه، ومحلًا للهواجس في مشاغله، قلبه في كل وادٍ، وهمه في كل مكان، يختلس الشيطان من صلاته بكثرة التفاته وعبثه بملابسه ويده ورجله وجوارحه، وربما أخلّ بطمأنينتها، ولم يعِ ما قرأ فيها، فيُخشى أن تُردَّ عليه صلاته، وأن لا تُقبَل.
أمة الإسلام: إنه لمَّا طال بالناس الأمد، وقست قلوبهم، وأساؤوا فهم شعائر الإسلام، أصبحتَ ترى من يُخلّ ببعض شروطها الصلاة وأركانها وواجباتها، فلم تعمل الصلاة عملها في قلوب الناس، ولم تؤثر في حياتهم، فهناك من يؤديها ولكن لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا تمنعه مما يخدش العقيدة، أو يخالف السنة، أو يناقض مبادئ الإسلام، ولا تمنعه من تعاطي الربا، واقتراف الزنا والرشوة والغش، وشرب المسكرات وتعاطي المخدرات، والتساهل في حقوق العباد، والوقيعة في أعراضهم، وما إلى ذلك من المحرمات، فهل أولئك قد أقاموا الصلاة وأدوا حقها؟! والله لو فعلوا ذلك لانتهوا عن كل محرم، وأقلعوا عن كل ما يخالف شرع الله، بدون مشقة أو عنَت، ولكن الخلل في إضاعة جوهر الصلاة، ولا حولا ولا قوة إلا بالله. ال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعًا»، فالله المستعان.
يا أمة محمد: ما هي حالنا اليوم مع هذه الفريضة العظيمة؟! أجساد تهوي إلى الأرض والأذهان غائبة، وأبدان تسجد بين يدي الله ولكن القلوب شاردة، وأفئدة متعلقة بالدنيا إلا من رحم الله، فهل من عودة صادقة أيها المسلمون المصلون إلى ترسُّم خطى المصطفى في هذا الفريضة العظيمة، وغيرها من فرائض الإسلام، لتعود للأمة قوتها وهيبتها بعد أن مُنيت بنكسة خطيرة، أفقدتها كثيرًا من مقوماتها التي تجعلها متماسكة قوية، ألا ما أحرى الأمة وهي تتجرع غصص الهزائم أن تتحرى الأسباب والدوافع لتقوم بالتغلب عليها، وإنها واجدة في شعائر الإسلام -وأعظمها الصلاة- ما يكون سببًا في صقل الأفراد، وتهذيب المجتمعات وصلاح الأحوال، والقضاء على أسباب الضعف والهزيمة، وخُوار الروح المعنوية في الأمة.
| نحن الذين إذا دُعوا لصلاتهم |
| والحرب تسقي الأرض جامًا أحمرا |
| جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبّروا |
| في مسمع الروح الأمين فكبَّرا |
فلنتق الله عباد الله في أمورنا عامة، وفي صلاتنا خاصة، فإن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ولنفكر في حالنا: ماذا جنينا من جراء التهاون بشعائر الإسلام كلها، لا سيما الصلاة؟! إن أمةً لا يقف أفرادها بخضوع وخشوع بين يدي الله في الصلاة لطلب الفضل والتوفيق منه لجديرة ألا تقف ثابتة في مواقف الصمود والنصر والقوة، لأن هذه كلها من عند الله وحده، فإذا أصلحنا ما بيننا وبين الله أصلح الله ما بيننا وبين الناس، وإن أمة لا يُعفِّر أبناؤها وجوهَهم في التراب ويمرغون جباههم في الأرض تعظيمًا لخالقهم وإعلانًا للعبودية التامة له، لحريّة أن لا تثبت أمام التحديات والمتغيرات، وأن تذوب في خضم المغريات والابتلاءات، وسيول المحن والبلايا، وأن تغرق في مستنقعات الفتن والرزايا، وإن مردّ تردِّي كثير من الأوضاع في شتى البقاع راجع لتردّي أبنائها في أودية المخالفات، وعدم القيام بما هو من أوجب الواجبات، ألا وهو الصلاة، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويرزقهم الفقه في دينه والبصيرة فيه، وأن يجعلهم محافظين على شعائر دينهم، معظمين لها، قائمين بعمودها على خير وجه إنه جواد كريم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة:238].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي جعل لكل شيء عمادًا، وجعل الصلاة لنا ذخرًا وزادًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده فلا شركاء له ولا أندادًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أكمل الأمة إيمانًا وصلاة وأعظمها عبادة وجهادًا، صلى الله وسلم وبارك عليه، صلاة وسلامًا تامين متلازمين لا نحصيهما أعدادًا، وعلى آله وأصحابه إلى يوم يُبعث الناس زرافات وأفرادًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وعظموا شعائر دينكم، واستحضروا فيها عظمة بارئكم جل وعلا ، وفرغوا قلوبكم من الشواغل الدنيوية والعلائق المادية، وأقيموا صلاتكم بقلوب حاضرة خاشعة.
لقد كان الصحابة والتابعون Ȋ، يستغرق الواحد منهم في الصلاة فيُطيلها جدًّا لما يجد من لذة وحلاوة، بل يستغرق في الآية الواحدة خشوعًا وتدبرًا فيكررها حتى ما يكاد يجاوزها إلى غيرها، قال القاسم بن محمد بن أبي بكر: «غدوت يوما وكنت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فإذا هي تصلي الضحى وتقرأ ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾ [الطور:27]، وتبكي وتدعو وتردد الآية، فقمت حتى مللت وهي كما هي، فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتي ثم أرجع ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد وتبكي وتدعو».
وكان العنبس بن عقبة رحمه الله يسجد حتى تقع العصافير على ظهره فكأنه جذم حائط.
وهذا حبيب بن أبي ثابت رحمه الله عندما يسجد يقول عنه أبو بكر بن عياش رحمه الله: (فلو رأيته قلت ميت، -يعني من طول السجود-).
ورؤيَ الثوري رحمه الله في الحرم عندما صلى المغرب سجدَسجدةً فلم يرفع حتى نودي للعِشاء.
وهذا أبو عبد الله البناجي رحمه الله كان يصلي بالناس فيُصاح بالنفير فلا يخفف الصلاة، فلما فزعوا قالوا: (أنت جاسوس، قال ولم؟ قالوا صيح بالنفير وأنت لم تخفف؟ قال: ما حسبت أن أحدا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه به الله عز وجل).
كان الإمام البخاري رحمه الله يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور في ظهره سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: (انظروا ما هذا الذي آذاني).
وسُئل خلف بن أيوب رحمه الله: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطرده؟ قال: (أريد أن أعوّد نفسي أن لا يفسد عليً شيء في صلاتي، قالوا وكيف تصبر؟ فقال: لقد بلغني أن الفساق يصبرون تحت الأسواط في السجن فيقال: فلان صبور، فيفتخرون بذلك، وأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة ولا أصبر!).
أيها الأحبة: إن من أعظم ما يعين على الصلاة الخاشعة حضور القلب فيها، واستشعار عظمة الخالق جل وعلا ، وتفريغ القلوب من الصوارف والشواغل عن الله والدار الآخرة، والتخفف من مشاغل الدنيا، وعمارة القلوب بالإيمان، وسد مداخل الشيطان على الإنسان.
ومما يعين على ذلك أيضًا: قصر النظر على موضع السجود، ووضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام، والتدبر فيما يُقرأ من القرآن، وفيما يُردَّد من الأدعية، وعدم الالتفات، ومراعاة الطمأنينة، والحذر من العجلة ومسابقة الإمام، والعبث والحركة، كل ذلك مع توفيق الله عز وجل من الأسباب التي تعين المسلم على إقامة الصلاة كما شرع الله، وكما سن رسوله.
أيها الإخوة في الله: إن من الظواهر الجديرة بالمعالجة، والتي لها أثر كبير في انصراف المصلين عن الخشوع في الصلاة ما قذفت به المدنية المعاصرة من وسائل الاتصال الحديثة، كالهواتف المتنقلة التي بُلي بها كثير من الناس، فيصطحبونها في صلواتهم ومساجدهم، مع نغمات صاخبة، تسبب أذى وإزعاجًا للمصلين، فأي خشوع عند هذا المصلي عفا الله عنه الذي يقطع حلاوةَ إقباله على ربه، ويشوش لذيذ مناجاته لخالقه، ويفسد خشوع المصلين من حوله؛ رنينُ هاتفه المتكرر؟! فيشغل نفسه ويؤذي غيره، فهل هؤلاء الذين جاؤوا إلى المسجد مصطحبين هذه الأجهزة مفتوحة، هل جاؤوا مصلين أم ماذا؟! فليتق الله أولئك في صلاتهم، وليحذروا من إيذاء إخوانهم المصلين، فذلك انتهاك لحرمة بيوت الله، والراغب حقًا في الثواب والأجر، والحريص على الخير والبر، ينتبه جيدًا لمثل هذا، ومتى علم الله من عبده الرغبة في الخير وفقه له وأعانه عليه، ولو أن المسلمين اليوم أدوا هذه الصلاة كما سن رسول الله ﷺ لكانت بتوفيق الله انطلاقة جادة لإصلاح أوضاعهم، وتغيير أحوالهم، وسلامة مجتمعاتهم، وطريقًا إلى النصر على أعدائهم، وتحقيق ما يصبون إليه في دنياهم وأخراهم؛ لأن في تطبيق شعائر الإسلام السلاح القوي والدرع الواقي من كل مكروه بإذن الله، لأن الدافع إليه قوة الإيمان، وصدق اليقين، والشوق إلى الآخرة.
ألا فاتقوا الله عباد الله: واحرصوا على إقامة صلاتكم؛ فإنها نور لكم في الأرض وذخر لكم في السماء، وإن المتأمل في آيات التنزيل ليجد أن الأمر بالصلاة يأتي دائمًا بأسلوب الإقامة، وفي ذلك معنى زائد على مجرد الأداء، لأن الإقامة تعني الإتمام والعناية، وإن مسؤولية المصلين لعظيمة بالنسبة لأنفسهم، تعاهدًا لها، وعناية بها، وبالنسبة لغيرهم من معارف وأقارب وأبناء وجيران، من حيث أمرهم ونصحهم في هذا الموضوع المهم كما قال سبحانه: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه:132].
وعلى أئمة المساجد دور كبير في ذلك لأنهم يضطلعون بمهمة كبرى، فعليهم أن يقوموا بها عناية في أنفسهم، وتفقيهًا لإخوانهم بأحكامها وحكمها، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي»[9].
ولا بد من تحقيق التعاون بين الأئمة والمأمومين، وذلك بقيام كل برسالته، لتتحقق النتائج المرجوة بإذن الله.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير من أقام الصلاة، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، واللواء المعقود، كما أمركم بذلك الرب المعبود، فقال تعالى قولًا كريمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله...