القناعة بأهمية الصلاة وفضل الجماعة
الْـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أمَرَنَا بإقامةِ الصلواتِ، وضاعَفَ الأَجْرَ لِلمُصلينَ فِي الجماعاتِ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، القائل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة:43] وأَشْهَدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وصفيُّهُ مِنْ خلقِهِ وحبيبُهُ القائلُ: «صَلاةُ الْـجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»[1] اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.
فيا أيّها المسلمون: اتَّقوا الله فإنّ تقواه أفضلُ مكتَسَب، وطاعته أعلى نسب،﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
أيّها المسلمون: لقد أنعَم الله عليكم بنعمٍ سابغة وآلاء بالغة، نعمٍ تنعمون في ألطافها، ومننٍ أُسدِلت عليكم جلابيبُها، وإنّ أعظمَ نعمةٍ وأكبرَ مِنّة هي نعمةُ الإسلام والإيمان، يقول تبارك وتعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات:17].
فاحمَدوا الله كثيرًا على ما أولاكم وأعطاكم، واشكروه على ما إليه هداكم، حيث جعلكم من خير أمّةٍ أخرِجت للناس، وهداكم لمعالم هذا الدين الذي ليس فيه التِباس.
ألا وإنَّ من أظهرِ معالمِه، وأعظمِ شعائره، وأنفع ذخائره الصلاةَ، ثانيةَ أركان الإسلام ودعائمه العظام، هي بعد الشهادتين آكَدُ مفروض، وأعظم معرُوض، وأجلُّ طاعةٍ، وأرجى بضاعة، من حفِظها حفِظ دينَه، ومن أضاعها فهو لما سواها أضيَع، هي عمودُ الدّيانة، ورأسُ الأمانة، يقول النبيّ ﷺ: «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة»[2].
الصلاة.. هي أحسنُ ما قصده المرءُ في كلّ مهِمّ، وأولى ما قام به عند كلِّ خطبٍ مدلهِمّ، خضوعٌ وخشوع، وافتقار واضطرار، ودعاءٌ وثناء، وتحميد وتمجيد، وتذلُّل للعليِّ الحميد، يقول رسول الهدى ﷺ: «إنَّ أحدَكم إذا كان في الصلاة فإنّه يناجي ربّه» متفق عليه[3].
الصلاة هي سرُّ النجاح وأصلُ الفلاح، وأوّلُ ما يحاسب به العبدُ يومَ القيامة من عمله، فإن صلَحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسَدت فقد خاب وخسِر، المحافظةُ عليها عنوان الصِدق والإيمان، والتهاون بها علامةُ الخذلان والخُسران، من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافِظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهان ولا نجاة، وكان يومَ القيامة مع قارون وفرعونَ وهامان وأبيِّ بن خلف.
الصلاة فيها نفحاتٌ ورحمات، وهِبات وبركات، بها تُكفَّر السيئات وتُرفَع الدرجات وتضاعَف الحسنات، يقول رسول الهدى ﷺ: «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كلَّ يوم خمسَ مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟!» قالوا: لا يبقى من درنه، قال: «فذلك مَثَل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهنّ الخطايا» متفق عليه[4].
الصلاة عبادةٌ تشرِق بالأملِ في لُجّة الظلُمات، وتنقذ المتردّي في دَرب الضلالات، وتأخذ بيد البائِس من قَعر بؤسه، واليائس من دَرك يأسِه، إلى طريق النجاة والحياة، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود:114].
أيّها المسلمون: إنّ ممّا يندَى له الجبين ويجعل القلبَ مكدَّرا حزينًا ما فشا بين كثيرٍ من المسلمين من سوءِ صنيع وتفريطٍ وتضييع لهذه الصلاةِ العظيمة، فمنهم التاركُ لها بالكلّيّة، ومنهم من يصلّي بعضًا ويترك البقيّة، لقد خفّ في هذا الزمانِ ميزانها، وعظُم هُجرانها، وقلّ أهلُوها، وكثُر مهمِلُوها، يقول الزهري رحمه الله تعالى: دخلتُ على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بدمشقَ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرفُ شيئًا مما أدركتُ على عهدِ رسول الله ﷺ إلاّ هذه الصلاة، وهذه الصلاةُ قد ضُيِّعت»[5].
أيّها المسلمون: إنَّ من أكبر الكبائر وأبيَنِ الجرائر تركَ الصلاة تعمُّدًا، وإخراجَها عن وقتها كسَلًا وتهاوُنًا، يقول النبي ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقَد كفر» أخرجه أحمد[6]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والكفر أو الشـرك تركُ الصلاة» رواه مسلم[7].
وإنّ فوتَ صلاةٍ من الصلوات كمصيبةِ سلب الأموال والضّيعات وفَقد الزوجة والبنين والبنات.
أيّها الجمع: أصِخِ السَّمعَ، لقول النبي ﷺ: «من فاتته صلاة فكأنما وُتر أهله وماله» صححه ابن حبان[8].
يقول عبد الله بن شقيق رحمه الله تعالى: (كان أصحابُ رسول الله لا يرونَ شيئًا من الأعمال تركُه كفر غير الصلاة) أخرجه الترمذي[9].
أيها المسلمون: إنّ التفريطَ في أمر الصلاة من أعظم أسبابِ البلاء والشقاء، ضَنكٌ دنيويّ وعذاب برزخي وعِقاب أخرويّ، ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم:59]، ويقول النبيّ في حديثِ الرؤيا: «إنّه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلِق، وإني انطلقتُ معهما، وإنا أتينا على رجلٍ مضطجِع، وإذَا آخرُ قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه أي: يشدقه، فيتدهدَه الحجر ها هنا، فيتبع الحجَر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصحّ رأسُه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثلما فعل المرّةَ الأولى»، قال: «قلت لهما: سبحان الله، ما هاذان؟ فقالا في آخر الحديث إخبارًا لرسول الله عمّا رأى: أمّا الرجل الذي أتيتَ عليه يُثلغ رأسه بالحجر فإنّه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة»[10].
فيا عبد الله، كيفَ تهون عليك صلاتُك وهي رأسُ مالك وبها يصحّ إيمانك؟! كيف تهون عليك وأنت تقرأ الوعيدَ الشديدَ في قول الله جل وعلا: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون:4-5]؟! كيف تتّصف بصفةٍ من صفات المنافقين الذي قال الله عنهم: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء:142]؟!
أيّها المسلمون: الصلاةُ عبادةٌ عُظمى، لا تسقُط عن مكلَّف بحال، ولو في حال الفزع والقتال، ولو في حال المرض والإعياء، ما عدا الحائض والنفساء، يقول تبارك وتعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴿٢٣٨﴾ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:238-239]. أقيموا الصلاةَ لوقتِها، وأسبغوا لها وضوءَها، وأتمّوا لها قيامها وخشوعَها وركوعَها وسجودها، تنالوا ثمرتَها وبركتها وقوّتها وراحتها.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحَمْدُ للهِ ذِي الْـجُودِ والإحسانِ، وَصَفَ عُمَّارَ المساجدِ بالإيمانِ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ سيد ولد عدنان، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ؛ أما بعد:
أيّها المسلمون: لقد جاءت الأدلّة متكاثرةً متضافرة على وجوب وفضل صلاة الجماعة على الرجال حَضرًا وسفرًا، يقول جل وعلا: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة:43]، (مَعَ) المقتضيةُ للجمعية والمعيّة، ويقول تبارك وتعالى لنبيّه محمّد ﷺ وهو في ساحة القتال وشدّة النِّزال: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ [النساء:102]، فلو أُتيح لأحد أن يدَع الجماعة لكان ذلك من باب أولى للنبي ومن معه في حال الحرب.
ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَن سرّه أن يلقى الله غدًا مسلِمًا فليحافِظ على هؤلاء الصلواتِ حيث يُنادَى بهنّ، فإنّ الله شرع لنبيكم سُننَ الهدى، وإنّهنّ من سُنن الهدى، ولو أنكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سنّةَ نبيكم، ولو تركتم سنةَ نبيّكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما يتخلّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتَى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصفّ» رواه مسلم[11].
فإلى كل سليم صحيح، إلى أولي القوّة والفُتوَّة، وأصحاب التقوى والمروّة، لقد اشتدّ غضبُ رسول الله على المتخلِّفين عن جماعةِ المسلمين، فقال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثمّ آمر رجلًا يصلِّي بالناس، ثمّ أنطلِق معي برجال معهم حُزَم من حَطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» متفق عليه[12]، ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: «لأن تمتلئ أذُنا ابنِ آدم رصاصًا مُذابًا خيرٌ له من أن يسمعَ النداء ولا يجيب»[13].
أيّها المسلمون: تلك أدلّةٌ ونصوص لاح الحقُّ في أكنافِها، وظهر الهدَى في بيانها، ولقد أفصحَت الرسُل لولا صَمَم القلوب، ووضحتِ السُّبُل لولا كدَر الذنوب.
وتعظُم المصيبة حين يكون المتخلِّف عن صلاةِ الجماعة ممّن يُقتَدَى بعمله ويُتأسَّى بفِعله، فيتخلّف بتخلُّفه غيره، ولقد كثُر المتخلِّفون في زمانِنا هذا عن صلاةِ الجماعة في المساجد، وهم رجالٌ قادرون أقوياء أصحّاء، لكنهم يسمَعون النداءَ صباحَ مساء، فلا يجيبون ولا هم يذّكَّرون، يقول رسول الهدى: «والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدُهم أنّه يجد عرقًا سمينًا أو مِرماتين حسنتين لشهِد العِشاء» متفق عليه[14].
يا عبدَ الله: لا ينبغي أن تأتي المساجدَ في فتور وكسَل، وتقضي وقتًا قليلًا على ملَل وعجل، فإنّ المساجدَ بيوت الله وأحبُّ البقاع إليه جلّ في علاه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «سبعة يُظلّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلّ إلا ظلُّه»، وذكر منهم: «ورجلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد» متفق عليه[15].
فيا مَن يتوَانى ويتثاقل، ويتساهل ويتشاغَل، لقد فاتك الخير الكثيرُ والأجر الوفير، يقول ﷺ: «من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نُزُلًا كلّما غدا أو راح» متفق عليه[16]، و«من تطهّرَ في بيته ثمّ مضى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضـيَ فريضةً من فرائض الله، كانت خطواته إحداها تحُطّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة»[17]. و«إنَّ أعظمَ الناس أجرًا في الصلاة أبعدُهم إليها ممشًى، فأبعدُهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام»[18]، «ولا يزال قومٌ يتأخَّرون حتى يؤخّرهم الله»[19]. نعوذ بالله من الخذلان والخسران.
يقول المولى سبحانه: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴿٣٧﴾ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور:36-38].
عباد الله: إننا نرى اليوم من الناس تساهلًا عظيمًا في الصلاة مع الجماعة، فمن الناس من لا يُرَى في المسجد أبدًا وفي جميع الصلوات، ومنهم من لا يُرَى إلا في الجمعة وقد يسكن بجوار بيت من بيوت الله، ويسمع النداء خمس مرات في اليوم والليلة، إنها لخسارة كبيرة أن أعدادًا كثيرة وجموعًا غفيرة من الناس في مجتمع مسلم لا يبالون بصلاة الجماعة ولا يرتادون المساجد إلا قليلًا..
لقد خرج النبي ﷺ إلى صلاة الجماعة في مرض موته محمولًا بين رجُلين حتى أُقعد في الصف، نعم في مرض الموت! فماذا يقول المعافون الأصحاء؟! ماذا يقول الشباب الأقوياء؟! ماذا يقول من ينعمون بالقوة والنشاط؟! كيف ترضون لأنفسكم التخلف عن المسجد والجماعة، وما الذي عسى أن تفعلوه بالصلاة إذا مرضتم؟! وكيف تريد تحرير المسجد الأقصى يا من عجزت عن الصلاة في المسجد الأدنى؟! أين نحن من السلف الصالح الذين كانوا يستعدون للصلاة قبل إقامتها، ويسعون إليها قبل النداء لها؟
ذكر الذهبي عن عدي بن حاتم أنه قال: (ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء)، وهذا سعيد بن المسيب يقول: (ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد)، قال الأوزاعي: (كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها لأحد من التابعين: لم تفُته صلاة الجماعة أربعين سنة)!
وهذا ربيعة بن يزيد يقول: (ما أذن المؤذن لصلاة الصبح منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد، إلا أن أكون مريضًا أو مسافرًا)، بل إن سليمان بن مهران كان يقول لابنته وهي تبكي عند رأسه في مرض موته: (ابكي أو لا تبكي فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الجماعة ستين سنة)، فمن منّا يقدر على مثل ما قدر عليه هؤلاء الرجال ولو لشهر أو سنة؟! أم أنه ينطبق علينا قول الله: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾ [مريم:59]!
هذا الصحابي الحارث بن حسان تزوج في ليلة من الليالي فحضر صلاة الفجر مع الجماعة فقيل له أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه الساعة الليلة، فيقول: (والله إن امرأة تمنعني من صلاة الفجر في جماعة لامرأة سوء).
الله أكبر! هكذا كانوا حتى في أفراحهم وأعراسهم، بل حتى وهم مرضى كانوا يُحملون حملًا إلى الصلاة حتى لا يتخلفوا عن الجماعة.
مرض أحد التابعين واسمه ثابت بن عامر، فسمع أذان المغرب فقال لأبنائه: (احملوني إلى المسجد. قالوا: أنت مريض وقد عذرك الله، قال: لا إله إلا الله! اسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، ثم لا أجيب! والله لتحملُنّي إلى المسجد، فحملوه إلى المسجد، حتى أوقفوه في الصف، فكبّر حتى إذا كان في السجدة الأخيرة من صلاة المغرب قبض الله روحه)، سبحان الله أيُّ خاتمة هذه، وأين نحن من هؤلاء؟!
وختامًا أيها الكرام: اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أهليكم وأبنائكم، فإنهم قرّةِ عيونكم، وتتابُع نسْلكم وذِكرِكم، وإنهم أمانةٌ في أعناقكم، مروهم بالمحافظة على الصّلوات ورغّبوهم في حضور الجُمَع والجماعات، وشجّعوهم بالحوافز والجوائز، وأكرموهم بالدعاء والثناء، نشِّئوهم على حبِّ الآخرة، وكونوا لهم قدوةً صالحة: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ [طه:132]، يقول ﷺ: «مُروا أبناءَكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر سنين» أخرجه أحمد[20].
واحذَروا ما يصدّهم عن ذكر الله وعن الصلاة من سائر الملهِيات والمغرِيات، وألحّوا على الله بالدعاء أن يُصلحَ أولادكم وأولادَ المسلمين أجمعين.
اللهمّ أقِرَّ عيوننا وأسعِد قلوبَنا وأبهج نفوسَنا بصلاح شبابنا وفتياتنا، اللهم اجعلنا وذريّاتنا وشبابنا وفتياتنا من مقيمي الصلاة، اللهمّ وتقبل دعاءنا، اللهم مُنّ علينا بالأمن في البلاد والصلاح في الذريّة والأولاد والفوزِ يومَ المعاد...
هذا وصلُّوا وسلّموا على خير البرية، وأزكى البشرية، محمد ﷺ..