تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، أحمده تعالى وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
أيها الناس: يقول النبي ﷺ: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر»[1].
فما هي الكبائر التي جعل النبي ﷺ اجتنابها شرطًا لتكفير ما سواها من الذنوب في هذا الحديث؟ نريد أن نتعرف عليها لنتجنبها:
| عرفتُ الشـرَّ لا |
| للشـرِّ لكن لتوقِّيهِ |
| ومن لا يعرف الشـرَّ |
| من الخير يقع فيهِ |
اعلموا عباد الله أن جماعةً من الأئمة أنكروا أن في الذنوب صغائر، وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر، يقول القاضي عبد الوهاب: (لا يمكن أن يقال في معصية الله إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر باجتناب الكبائر).
وقال الجمهور: إن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر لقوله عز وجل: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء:31].
وقوله عز وجل: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ [الحجرات:7] فجعلها رُتَبًا ثلاث.
وقوله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ [النجم:32].
وقوله ﷺ: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر»[2].
واختلف العلماء في حد الكبيرة على أقوال:
منها: أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد، بنص كتاب أو سنة.
ومنها: أنها ما أوجب الحد، أو توجَّه إليه الوعيد، والصغيرة ما قلَّ فيه الإثم.
ومنها: أنها كل جريمة (أو جريرة) تُؤذِن -أي: تُعلِم- بقلة اكتراث أي اعتناء مرتكبها بالدين، ورقة الديانة مبطلة للعدالة، وكل جريمة أو جريرة لا تؤذن بذلك بل يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها لا تحبط العدالة.
ومنها: أنها كل ما ينص الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد وترك فريضة تجب فورا، والكذب في الشهادة والرواية واليمين.
ومنها أنه لا حد لها يحصرها يعرفه العباد، وإلا اقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله عز وجل أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهى عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك.
وذهب بعض العلماء إلى تعريفها بالعدّ، من غير ضبطها بحدّ، فقيل: هي سبع واستدلوا على ذلك بخبر الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»[3].
وعن ابن عباس قال: «هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع».
وعن سعيد بن جبير أكبر تلامذته: (هي إلى السبعمائة أقرب يعني باعتبار أصناف أنواعها).
والأحاديث المصرحة بالكبائر نوعان:
منها ما صرح فيه بأنه كبيرة، أو أكبر الكبائر، أو أعظم الذنوب، أو موبق، أو مهلك، وما ذكر فيه نحو لعن، أو غضب، أو وعيد شديد.
فمن الأول خبر الشيخين: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وقول الزور، وكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت»[4].
ولهما أيضا أن رجلا قال للنبي ﷺ: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال: إن ذلك عظيم، ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك»[5].
ورويا أيضا: «من الكبائر شتم الرجل والديه، قيل وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»[6].
النوع الثاني:
ما رواه مسلم وغيره عن النبي ﷺ: «قال: ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل إزاره خيلاء» وفي روايات أخر: «والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منّه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»[7].
ومنه أيضا قوله ﷺ: «لا يدخل الجنة قتات»[8] أي نمام.
واعلموا عباد الله وفقنا الله وإياكم لطاعته وأنالنا سوابغ رضاه ومهابته، أن الله تعالى حذر عباده من معصيته، بما أعلمهم به من نواميس ربوبيته، وأقامه من قوانين ألوهيته ووحدانيته، وكرره في الأمم من سطوات قهره وجبروته، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ [الزخرف:55]. أي أغضبونا وقال عز وجل: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [الأعراف:166]. وقال عز وجل: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [فاطر:45].
وقال عز وجل: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء:123].
وفي الصحيح: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها»[9].
وفي الصحيحين كذلك أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه»[10].
وفيهما أنه ﷺ قال: «لا أحد أغير من الله، فلذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل »[11].
قال بلال بن سعد: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت).
وقال الحسن بن آدم: (ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة).
وقال محمد بن كعب القرظي: (ما عبد الله بشيء أحب إليه من ترك المعاصي).
ويؤيده قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»[12].
فأتى بالاستطاعة في جانب المأمورات ولم يأت بها في جانب المنهيات، إشارة إلى عظم خطرها وقبيح وقعها تنويهًا إلى أنه يجب بذل الجهد والوسع في المباعدة عنها، سواء استطاع ذلك أم لم يستطع بخلاف المأمورات.
قال حذيفة: «إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصير قلبه كله أسود»، ويؤيده قول السلف: (المعاصي بريد الكفر) أي: رسوله؛ باعتبار أنها إذا أورثت القلب هذا السواد وعمته لم يقبل خيرا قط، فحينئذ يقسو ويخرج منه كل رحمة ورأفة وخوف، فيرتكب ما أراد ويفعل ما أحب، ويتخذ الشيطان وليا من دون الله، ويضله، ويغويه ويعده ويمنيه ولا يرضى منه بدون الكفر ما وجد له إليه سبيلا.
قال الله تعالى: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ﴿١١٧﴾ لَعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴿١١٨﴾ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿١١٩﴾ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢٠﴾ أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴾ [النساء:117-121].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
اعلموا عباد الله أن أعظم زاجر عن الذنوب هو خوف الله تعالى وخشية انتقامه وسطوته والرهبة من عقابه وسخطه، قال أبو الفرج ابن الجوزي: (الخوف هو النار المحرقة للشهوات، فإذًا كانت فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوة، وبقدر ما يكف عن المعصية، ويحث على الطاعة، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة، وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة والأعمال الفاضلة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، كما علم من الآيات والأخبار، كقوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ [الأعراف:154]. وقال تعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة:8]. قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرحمن:46]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر:28]). وكل ما دل على فضيلة العلم يدل على فضيلة الخوف لأن الخوف ثمرة العلم.
واعلموا أن البكاء إما من حزن، وإما من وجع، وإما من فزع، وإما من فرح، وإما شكرا، وإما من خشية الله تعالى، وهذا هو أعلاها درجة وأغلاها ثمنا في الدار الآخرة، وأما البكاء للرياء والكذب فلا يزداد صاحبه به إلا طردا وبعدا ومقتا.
وحق لمن لم يعلم ما جرى له به القلم في سابق علم الله تعالى، من سعادة مؤبدة، أو شقاوة مخلدة، وهو فيما بين هاتين الحالتين قد ركب المحرمات، وخالف خالقه في المنهيات، أن يكثر بكاؤه وأسفه وحزنه ونحيبه ولهفه، وأن يهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يجأر إلى الله تعالى على ما سلف منه، من سوابق مخالفاته، وقبائح شهواته، عسى الله أن يوفقه إلى التوبة النصوح، وأن يخرجه من ظلمات الجهل والعصيان إلى العلم والطاعة، وما لهما من ثمرات المعرفة والفتوح.
قال بعضهم: (أرق الناس قلوبا أقلهم ذنوبا).
وقال ﷺ: «أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له»[13].
ومن ثم غلب الخوف على الأنبياء والرسل والعلماء والأولياء، وغلب أمن المكر على الظلمة الأطغياء، والفراعنة الأغبياء، والجهلة والعوام، الرعاع والطغام، حتى كأنهم حوسبوا وفرغ منهم، فلم يخشوا سطوة العقاب، ولا نار العذاب، ولا بعد الحجاب: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر:19].
وفي صحيح البخاري عن أم العلاء - امرأة من الأنصار - «أنهم اقتسموا المهاجرين أول ما قدموا عليهم بالقرعة قالت: فطار لنا أي وقع في سهمنا عثمان بن مظعون، من أفضل المهاجرين وأكابرهم ومتعبديهم، وممن شهد بدرا، فاشتكى فمرضناه، حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه، دخل علينا رسول الله ﷺ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى - فقال لي رسول الله ﷺ: «وما يدريك أن الله أكرمه»؟ فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال: أما عثمان فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، ثم قال رسول الله ﷺ: «ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي». قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا[14].
فتأملوا عباد الله زجره ﷺ عن الجزم بالشهادة على الله في عثمان، مع كونه شهد بدرا وقد قال ﷺ: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»[15].
وقد قبَّله ﷺ لما مات، ووصفه بأعظم الأوصاف وأفضلها، وكان أول من قبر في البقيع.
فهذا يدلنا عباد الله على أنه ينبغي لنا وإن عملنا من الطاعات ما عملنا، أن نكون على حال الخوف والخشية من الله تعالى، وعذابه وأليم عقابه، فإنه لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء: ﴿ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [المائدة:17].
ومن العجيب أن قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ﴾ [طه:82].
ربما فهم منه بعض من لا تأمل له، أن فيه رجاء عظيما، وأي رجاء عظيم فيه، مع كونه تعالى شرط للمغفرة أربعة شروط: التوبة، والإيمان الكامل، والعمل الصالح، ثم سلوك سبيل المهتدين، من مراقبة الله تعالى وشهوده وإدامة الذكر والفكر والإقبال على الله تعالى بقلبه وحاله ودعائه وإخلاصه.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ [القصص:67].
ولا تغتر بما قيل: عسى من الله واجبة الوقوع، فإن ذلك أكثري لا كلي، قال تعالى: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ [طه:44]. وفرعون لعنه الله لم يتذكر ولم يخش، بل نبهك الله تعالى على أنك إذا تبت توبة نصوحا، وآمنت إيمانا كاملا وعملت صالحا، كنت على رجاء حصول الفلاح لك والهداية والقرب من حضرة الحق، فإياك وأن تأمن مكر الله واستحضر قوله تعالى: ﴿ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ [الأحزاب:8]. وقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿١٠٤﴾ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴿١٠٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ [هود:102-106].
سئل سعيد بن جبير عن الخشية فقال: (أن تخشى الله تعالى حتى تحول خشيته بينك وبين معاصيه، فهذه هي خشيته، وأما الغرة بالله فهي أن يتمادى الرجل في المعصية، ويتمنى على الله المغفرة).
وعن يحي بن معاذ قال: (من أعظم الاغترار أن المذنب يرجو العفو من غير ندامة، ويتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وينتظر الجزاء بلا عمل، ويتمنى على الله مع الإفراط).
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /أحمد فريد