حجم الخط:

أيام التشريق: فضائل وأحكام

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، فتح أبوابه للتائبين، ورحمته قريبٌ من المحسنين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه رحمةً للعالمين، أدَّى الرسالة، ونصح الأمة، وبلَّغ البلاغ المبين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته أجمعين، ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

أيها المُسلمون: إن هذه الأيام هي أيام عظيمة عند الله جل وعلا ، أعلى مكانتَها، ورفعَ قدرَها، وبيَّن فضلَها ومكانتَها في الدين، وإن من أعظمها يوم عيد الأضحى الذي سمَّاه: ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [التوبة:3]، وقد صحَّ عن رسول الله أنه قال: «أعظمُ الأيام عند الله يومُ النَّحر»[1].

وهو من الأيام المعلومات الفاضِلة التي قال ربُّنا جل وعلا فيها: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28].

وفي المسند أن النبي قال: «ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحبُّ إليه العملُ فيهنَّ من هذه الأيام -يعني: أيام العشر-، فأكثِروا فيهنَّ من التهليل والتحميد والتكبير»[2].

ألا فلنتَّخِذ من هذا اليوم موسِمًا للتقرُّب بالطاعات، والعمل بالصالحات إلى الممات، ﴿ سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21].

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

إخوة الإسلام: في هذا اليوم العظيمِ يتقرَّبُ المُسلِمون إلى مولاهم بإراقة الدماء؛ استِجابةً لقول المولى جل وعلا: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

ألا إن أهمَّ ما ينبغي أن يعلمَه المرءُ أن أبرزَ المقاصِد العُظمى لشعائر الإسلام كلِّها: إسلام الوجه لله جل وعلا ، وتحقيقُ توحيده، والوصولُ إلى كمال محبَّته وغاية التذلُّل لله -عزَّ شأنه-، ولهذا يقول ربُّنا جل وعلا لنبيِّه: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

وفي ثنايا بيان أحكام الحجِّ وأحكام الهدايا يقول الله جل وعلا: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج:34-35]، وبذلك يصِلُ المرءُ إلى العبادة الحقيقية التي أمَرَ الله جل وعلا عبادَه بها، وخلقَهم من أجلِها.

يقول ابن القيِّم رحمه الله:

وعبادةُ الرحمن غايةُ حبِّه

مع ذل عابده هما قُطبان

وعليهما فلَكُ العبادة دائرٌ

ما دارَ حتى قامَت القُطبان

ومدارُه بالأمر أمرِ رسولِه

لا بالهوى والنفسِ والشيطان

ولهذا، فيا عباد الله: أعظمُ حِكَم مشـروعية الأضاحي: تحقيقُ توحيد الله جل وعلا ، وتعظيمه وإجلاله والمهابة منه، ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج:37].

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

إخوة الإسلام: في هذه الأيام العظيمة التي يتقرَّبُ الحُجَّاجُ إلى ربِّهم في مناسِك الحجِّ المُتعدِّدة، وفي هذه الأيام التي يعيشُ أهلُ الإسلام في سائر البُلدان بالتقرُّب إلى الله جل وعلا بإراقة الدماء، تقرُّبًا إلى المولى عز وجل، فرِحين مُستبشِرين. فإنه ينبغي أن يعلمَ كلُّ مُسلمٍ أن من الفرض اللازم على كل أحدٍ بحسب طاقته، أن يعلَم أن مسؤوليَّته عظيمةٌ عند الله جل وعلا في الوقوف مع إخوانٍ له في الإسلام في بلدانٍ أصابَ المُسلمين فيها من اللأواء والضـرَّاء والبلاء ما لا نشكُوه إلا إلى الله جل وعلا.

ولا يبخلن كل امرئ بما يقدر عليه، ولو بالدعاء، فإنه يدفع معظم البلاء، ونبيُّنا يقول في الحديث الصحيح: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسد الواحد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى»[3].

ويقول : «المُؤمنُ للمُؤمن كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا»[4].

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون: في مثل هذا اليوم العظيم يتذكَّرُ المُسلِمون تلك الحجَّة العظيمة حجَّة النبي المُسمَّاة بـ(حجَّة الوداع)، والتي قرَّر فيها النبي أصولَ الإسلام العُظمى، وقواعدَ الدين الكُبرى، وعلّم مناسك الحج للناس.

ألا وإن مما عهِدَ به لهذه الأمة إلى يوم الدين: وصيةٌ عظيمةٌ تكفَلُ السعادةَ والحياةَ الطيبةَ، والعيشةَ الرضِيَّةَ في الدنيا وفي الآخرة، تكفَلُ لهذه الأمة العِزَّةَ والكرامةَ والرِّفعةَ والسُّؤدَدَ.

ألا وهي وصيةُ النبي في خُطبة الوداع بقوله: «تركتُ فيكم أمرينِ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّتي، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ»[5]، وبدون ذلك فستعيشُ الأمةُ في حياة الذلِّ والهوان، وسيتخطَّفُها الأعداءُ من كل جانبٍ، ولن تصِلَ إلى سعادةٍ، ولا إلى رخاءٍ، ولا إلى رغَد عيشٍ؛ إلا بعودتها إلى كتاب ربها وسنة نبيها.

يقول ابن عباس ȋ: «تكفَّلَ الله لمن قرأَ هذا القرآنَ وعمِلَ به أن لا يضِلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ [طه:123-124]».

بارك الله لنا في القرآن، ونفعنا بما فيه من الهدي والبيان، أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله.. الحمد لله الصادق في قيله الهادي إلى سبيله، أحمده سبحانه وأشكره على وافر إنعامه وجزيله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف الحق بدليله، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله.. خيارٌ من خيار.. أكرم بشفيعنا وإمامنا حبيب الرحمن وخليله.. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.. صحبوا المصطفى في وحيه وتنزيله، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا..

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: ما هي أيام التشريق؟ هي الثلاثة الأيام بعد يوم عيد الأضحى المبارك، وهي المُرادةُ بقول الله جل وعلا: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، وهي التي أمَرَ النبي أن تُظهَر فيها شعائرُ الله من الذِّكرِ والشكرِ لله جل وعلا ؛ يقول فيما رواه مسلم: «أيامُ التشـريق أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله جل وعلا »[6].

وفي المسند: «لا تصُوموا هذه الأيام؛ فإنها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله جل وعلا »[7].

وإن مما يُشرعُ فيها: الذِّكرُ المُطلقُ في سائر الأوقات، وكما يُشرعُ فيها أيضًا: الذِّكرُ المُقيَّد، التكبيرُ المُقيَّد بأدبار الصلوات المفروضات، وتستمرُّ هذه الشعيرةُ إلى صلاةِ العصرِ من آخر يومٍ من أيام التشريق.

فالهَجُوا بذِكر الله والحمد له والتعظيم له -عزَّ شأنه-.

وإن من أعظم ما يتقرب به من الله عز وجل في هذه الأيام الأضاحي، فهي سنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وما عمل ابن آدم يوم النحر من عملٍ أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسًا.

ولتعلموا -وفقني الله وإياكم لصالح العمل- أن وقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد إلى غروب الشمس في آخر أيام التشريق، ولا يجزئ في الأضاحي المريضة البيَّن مرضها، ولا العوراء البين عورها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، ولا الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا الهتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها، ولا العضباء التي ذهب قرنها أو قطعت أذنها، ولا الجدباء التي نشف ضرعها ويبس من الكبر.

ولا يجزئ من الإبل إلا ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له ستة أشهر، وتجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، والشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، ولا يبيع منها شيئًا، ولا يعطي الجزار أجرته منها.

فاتقوا الله عباد الله! وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم، وأكثروا من ذكر الله، وصلوا الأرحام، وبروا بوالديكم، وأكرموا اليتامى والمساكين، وتصافحوا وتناصحوا وتسامحوا، وأزيلوا الغل والشحناء من قلوبكم، وتزاوروا وتهادوا، واحذروا الكبر والغيبة والنميمة، وكونوا عباد الله إخوانًا.

ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين؛ فقد أمركم بذلك ربكم، فقالعز من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /صالح بن عبد المحسن العويد

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة