حجم الخط:

هل يقع الطلاق البدعي أم لا يقع؟

اتفق العلماء على أن طلاق البدعة يأثم صاحبه؛ لأنه خالف القرآن والسنة، لكن السؤال: هل يقع هذا الطلاق -مع تأثيم صاحبه- أو لا يقع؟

ذهب أكثر العلماء إلى أن طلاق البدعة يقع، ويحتسب عليه من تطليقاته، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وذهب فريق آخر من العلماء إلى عدم وقوعه، والسبب في اختلافهم اختلاف ألفاظ حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ حيث طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق، وهي ثابتة في (الصحيحين) وغيرهما.

 

والراجح من الأقوال هو: وقوع هذه الطلقة واحتسابها من التطليقات، وبيان ذلك فيما يلي:

 

أدلة القائلين باحتساب الطلقة:

 

(1) في رواية: قيل لابن عمر: «أفأحتسب بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟»[1]. ومعناه: الاستفهام؛ أي: فما يكون إلا الاحتساب.

(2) في رواية قيل لابن عمر: تحتسب؟ قال: «أرأيت إن عجز واستحمق؟»، وهو استفهام إنكار، وتقديره كما قال النووي رحمه الله: (نعم تحتسب، ولا يمتنع احتسابها لعجزه وحماقته)[2]، ويؤيد ذلك ما في رواية أحمد: (نعم، أرأيت إن عجز واستحمق؟) فقد أجاب بـ«نعم» التي يثبت لها احتساب الطلقة.

(3) في رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ، فذكر ذلك له «فجعلها واحدة»[3]. قال الحافظ رحمه الله: (وهو نص في موضع الخلاف، فيجب المصـير إليه)[4].

(4) في بعض الروايات: قال ابن عمر رضي الله عنهما: «فراجعتها، وحُسِبَتْ لها التطليقة التي طلقتها»، رواه مسلم، وقوله: «وحُسِبَتْ» يترجح أن الذي احتسبها هو رسول الله ﷺ، وهذا شبيه بقول الصحابي: «أمرنا بكذا» أو «نهينا عن كذا»، فهو في حكم المرفوع؛ أن الذي أمر أو نهى هو رسول الله ﷺ.

(5) وأيضًا فإن ابن عمر رضي الله عنهما -وهو صاحب القصة- كان يفتي السائل بذلك؛ فكان يقول: «أما أنت -يعني السائل- طلقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا[5]، وإن كنت طلقت ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصـيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك»، رواه مسلم[6]. فلو كانت الطلقة لم تحتسب ما أفتاه بالفراق التام، ولأمره بارتجاعها. فهذه أدلة القائلين باحتساب الطلقة، وهو الراجح.

 

أدلة القائلين بعدم احتسابها:

(1) ما ورد في بعض روايات ابن عمر قال: «فردها علي ولم يرها شـيئًا»، رواه أبو داود، لكن هذه الزيادة شاذة، انفرد بها أبو الزبير، وهي مخالفة لرواية الثقات فإنهم لم يذكروها[7]. فلا يحتج بهذه الزيادة لشذوذها. قال ابن عبد البر رحمه الله: (قوله: «ولم يرها شـيئًا» منكر، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صح فمعناه -والله أعلم- ولم يرها شـيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنة)[8].

(2) واحتجوا أيضًا بأثر ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: «لا يعتد لذلك». لكن لا يسلم الاحتجاج بهذا الأثر؛ لأن المقصود بقوله: «لا يعتد لذلك»: أي بالحيضة ضمن القروء، فالحيضة التي طلقها فيها لا تحتسب من عدتها، ويؤيد هذا المعنى أن هذا الأثر رواه ابن أبي شـيبة وفيه قال ابن عمر رضي الله عنهما: «لا تعتد بتلك الحيضة»[9].

(3) اعتمد أصحاب هذا القول على القياس، وقد أطال في ذلك ابن القيم في (زاد المعاد) وغيره. وقال ابن حجر رحمه الله ردًّا عليه: (ثم أطال -أي: ابن القيم- من هذا الجنس -أي: القياس- بمعارضات كثيرة لا تنهض مع التنصـيص على صـريح الأمر بالرجعة؛ فإنها فرع وقوع الطلاق، على تصـريح صاحب القصة -يعني ابن عمر رضي الله عنهما - بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النص فاسد الاعتبار، والله أعلم. وقد عورض بقياس أحسن من قياسه؛ فقال ابن عبد البر: ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه وقع، سواء أجر في ذلك أم أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصـي، لكان أخف حالًا من المطيع)[10].

خلاصة ما سبق:

أنه يترجح بالأدلة أن طلاق البدعة حرام يأثم صاحبه، وأنه يقع ويحسب من التطليقات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة