مسائل متعلقة بالاعتداء على ما دون النفس:
الأولى: حكم القصاص قبل البرء:
يعني: قبل الشفاء.
لا يجوز القصاص في الأعضاء والجراح عند جمهور العلماء إلا بعد اندمال (شفاء) الجرح، واستدلوا على ذلك بأدلة:
(1) عن جابر رضي الله عنه: «أن رجلًا جُرح، فأراد أن يستقيد، فنهى النبي ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح»[1].
(2) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال: «حتى تبرأ»، ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله، عرجت، قال: «قد نهيتك فعصـيتني، فأبعدك الله، وبطل عَرَجُك» ثم نهى رسول الله ﷺ أن يُقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه[2].
(3) قالوا أيضًا: لأن الجراحات ينظر إلى مآلها؛ لاحتمال أن تسـري إلى النفس فيحدث القتل.
هذا، وقد ذهب الشافعية إلى تأخير القصاص بعد اندمال الجرح على سبيل الاستحباب، قالوا: ويجوز قبله؛ لحديث عمرو بن شعيب السابق.
الثانية: إذا كان هناك مانع من القصاص:
يؤجل القصاص إذا كان هناك مانع منه، فقد اتفق الفقهاء على أنه يؤخر القصاص في الطرف أو النفس عن المرأة الحامل حتى تضع حملها وترضع وليدها، وتوسع المالكية فرأوا تأخير القصاص فيما دون النفس إذا كان برد شديد أو حر شديد يخاف منه الموت.
الثالثة: حكم السـراية في القصاص:
معنى السـراية: حدوث آثار تترتب على تطبيق العقوبة الشـرعية، بحيث أنها تؤدي إلى إتلاف عضو آخر، أو ذهاب منفعة، وقد تؤدي إلى الموت.
فإذا سـرى القصاص إلى النفس ومات، فهل هناك ضمان؟
الراجح أنه لا ضمان في سـراية القصاص إلى النفس أو العضو أو المنفعة؛ لأن السـراية حصلت من فعل مأذون فيه، وهذا قول الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة، وخالف في ذلك أبو حنيفة؛ فذهب إلى الضمان في السـراية، وخالفه صاحباه ووافقا رأي الجمهور.
الرابعة: حكم السـراية في الجناية:
الحكم السابق يتعلق بما إذا كانت السـراية بسبب القصاص، أما إذا كانت بسبب الجناية على النفس أو العضو أو المنفعة، فإنها مضمونة؛ لأنها أثر الجناية، فإذا سـرت جنايته على عضو فمات، وجب القصاص بالقتل، وهذا ما ذهب إليه الجمهور من العلماء.
الخامسة: إذا كانت الجناية بسبب من المجني عليه:
عن عمران بن حصـين رضي الله عنه أن رجلًا عضَّ يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال: «يَعَضُّ أحدُكم يدَ أخيه كما يعض الفحل؟! لا دية لك»[3].
وعلى هذا فلو كانت الجناية بسبب المجني عليه فلا قصاص ولا دية، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.
قلت: ومن هذا المعنى أيضًا ما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اطلع عليك رجل في بيتك، فرميته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح»[4]، وفي رواية: «فلا دية له ولا قصاص»[5].