حجم الخط:

ما يستحب فعله للميت بعد موته:

(1) استحب العلماء بعض الأمور لم يأت بها نصوص، لكن فيها مصلحة للميت وتسهيل عند غسله وتكفينه، فهي للمصلحة، ولا بأس بها؛ لعموم قوله ﷺ: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه بشـيء فلينفعه»، ومن هذه الأمور التي استحبها العلماء:

شد لحييه حتى لا يقبح منظره؛ وذلك بوضع رباط تحت ذقنه، ويربط على رأسه لإغلاق الفم.

تليين مفاصله: وذلك بأن يضم الساعد إلى العضد ثم يرده، ويضم ساقه إلى فخذه، وفخذه إلى بطنه، ثم يمده، ويلين أصابعه.

(2) ينبغي التحقق من الوفاة، خاصة لمن مات فجأة؛ خشـية أن يكون في غيبوبة، ولا مانع من الاستعانة على ذلك بالوسائل الطبية التي بها يعرف تحقق الموت.

(3) يجوز أخذ عينات من الميت لمعرفة سبب الوفاة، خاصة إذا كان هناك شبهة جنائية.

(4) ولا مانع كذلك من وضع الميت في ثلاجة تحفظ بدنه؛ لا سـيما إذا كان الأمر سـيطول قبل تجهيزه لسبب ما.

(5) ليس هناك ذكر معين عند تغميض عين الميت أو تسجيته، إلا ما ورد في الدعاء له كما تقدم.

(6) يجوز كشف وجه الميت، وتقبيله، والبكاء عليه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرسه من مسكنه، حتى نزل فدخل المسجد، وعمر يكلم الناس، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها، فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببردة حِبَرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله بين عينيه، ثم بكى، فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها»[1].

(7) ماذا يجب على أهل الميت إذا بلغهم خبر الوفاة؟

الجواب: يجب عليهم الاسترجاع بأن يقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويجب عليهم الصبر والرضا لقضاء الله؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصـيبه مصـيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في مصـيبتي، وأخلف لي خيرًا منها؛ إلا أخلف الله له خيرًا منها...» الحديث[2].

وعن أنس رضي الله عنه قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصـيبتي، قال: ولم تعرفه، فقيل لها: هو رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله ﷺ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك، فقال رسول الله ﷺ: «إن الصبر عند أول الصدمة»[3].

(8) يحرم النياحة، والتسخُّط، وضـرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية؛ كقولهم: يا جملي، يا سبعي، أو يا ثبوراه، أو نحو ذلك؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من ضـرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»[4].

وعن أبي بردة قال: «وَجِعَ أبو موسـى، وجعل يغمى عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة، فلم يستطع أن يرد عليها شـيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الحالقة والسالقة والشاقَّة»[5]. ومعنى «الحالقة»: التي تحلق شعرها عند المصـيبة، و«السالقة»: التي ترفع صوتها، و«الشاقة»: التي تشق ثوبها.

(9) ويجوز البكاء والحزن على الميت، شـريطة أن لا يقول ما يسخط الرب؛ لقوله ﷺ: «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم»، وأشار إلى لسانه[6].

(10) يجوز النعي والإخبار عن وفاة الميت لكي يجتمع الناس لتجهيزه ودفنه ونحو ذلك، ويشترط في ذلك ألا يصاحبه شـيء من أمور الجاهلية؛ كمدحه ومدح أجداده، والنداء على رءوس المنابر، فذلك وأمثاله من النعي المنهي عنه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشـي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلَّى فصف بهم وكبر أربعًا»[7].

قال الحافظ رحمه الله: (وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك؛ حتى كان حذيفة إذا مات له ميت يقول: لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، وإني سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين ينهى عن النعي، أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن. ثم أورد كلام ابن العربي فقال: قال ابن العربي رحمه الله: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:

الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح؛ فهذا سنة.

الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره.

الثالثة: الإعلام بنوع آخر؛ كالنياحة ونحو ذلك؛ فهذا يحرم)[8].

(10) اعلم أن من الأخطاء الشائعة على ألسنة الناس: أنهم يطلقون على الميت: (المتوفِي) بكسـر الفاء، والصحيح أن يقال: (المتوفَّى) بفتح الفاء؛ لأن (المتوفي) بالكسـر هو الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ، وكذلك لا يقال: (تَوفَّى فلان) بفتح التاء والفاء المشددة، ولكن يقال: (تُوفِّي فلان) بضم التاء وكسـر الفاء المشددة؛ وذلك لنفس المعنى السابق.

(11) قال ابن حزم رحمه الله: (لو ماتت امرأة حامل، والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر؛ فإنه يشق بطنها، ويخرج الولد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، ومن تركه عمدًا حتى يموت فهو قاتل نفس)[9].

(12) يستحب أن يتمنى الموت في أرض مباركة؛ كما كان عمر يتمنى أن يموت في المدينة، فكان رضي الله عنه يدعو: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك»[10]. وكما دعا موسـى عليه السلام ربه عند الموت أن يدنيه من الأرض المقدسة[11].

قال البخاري رحمه الله: (باب: من أحـب الدفن في الأرض المقدسة ونحوها)[12].

(13) إذا مات الإنسان في غير مولده، قيس له في الجنة من مولده إلى منقطع أمره؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: توفي رجل بالمدينة فصلَّى عليه النبي ﷺ، فقال: «يا ليته مات في غير مولده»، فقال رجل من الناس: لم يا رسول الله، قال: «إن الرجل إذا مات في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة»[13].

(14) ينبغي للإنسان أن يغتنم عمره باكتساب الطاعات؛ فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا»[14].

وليعلم أنه إذا بلغ الستين فقد أعذر الله إليه؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من عمَّره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر»[15]. قال الحافظ رحمه الله: (الإعذار: إزالة العذر، والمعنى: أنه لم يبق له اعتذار كأن يقول: لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به، يقال: أعذر إليه، إذا بلغ أقصـى الغاية في العذر ومكنه منه)[16].

(15) اعلم أن أعمار الأمة ما بين الستين إلى السبعين سنة، ولا يجاوز ذلك إلا القليل؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك»[17].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة