ثالثًا: شؤون الجماع:
هناك أحكام وآداب تتعلق بأمر الجماع؛ نذكر منها:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله: بسم الله، اللهم جنبني الشـيطان، وجنب الشـيطان ما رزقتنا؛ ثم قدر بينهما في ذلك، أو قضـي ولد، لم يضـره شـيطان أبدًا»[1].
ب - تحريم نشـر أسـرار الاستمتاع:
قال الله تعالى: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء:34]، وعن أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها أنها كانت عند رسول الله ﷺ، والرجال والنساء قعود، فقال: «لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله؟ ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟ فأرَمَّ القوم؛ فقلت: إي والله يا رسول الله، إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلونه، قال: «فلا تفعلوا؛ إنما ذلك مثل الشـيطان لقي شـيطانة في طريق، فغشـيها والناس ينظرون»[2].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «إن من أشـر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضـي إلى امرأته، وتفضـي إليه، ثم ينشـر سـرها»[3].
قلت: وأقبح من هذا أن يجامع بحيث يراهما أحد، أو يسمع كلامهما، أو يقبلها أو يباشـرها أمام الناس، وهذا محرم حتى لو كان الذي يسمع كلامهما زوجة له أخرى؛ فإنه لا يجوز.
قال الحسن في الذي يجامع المرأة والأخرى تسمع: «كانوا يكرهون الوجس»، وهو الصوت الخفي[4].
ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: قال النبي ﷺ: «لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها»[5].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ملعون من يأتي النساء في محاشهن»، يعني أدبارهن[6]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد»[7].
ويتفرع عن تحريم الوطء في الدبر ما يلي[8]:
(1) أنه إن وطئها، فعليه التوبة، ويعزر؛ لفعله المحرم.
(2) لا تكون الزوجة محصنة، ولا تصـير البكر ثيبًا، ما لم يحدث الوطء الصحيح في القبل، وكذلك لا تحل لزوجها الأول إن حدث فراق.
(3) ما ورد من تحريم الوطء في الدبر إنما المقصود به إيلاج العضو فيه. قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا بأس بالتلذذ بها بين الأليتين من غير إيلاج؛ لأن السنة إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك)[9].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة:222]، وانظر الحديث السابق.
أحكام الاستمتاع بالحائض [10]:
(1) يجوز مباشـرة الحائض دون الجماع.
(2) لا يجامعها إذا انقضت حيضتها إلا بعد أن تغتسل.
(3) لو جامعها في أثناء حيضها وجب عليه كفارة (التصدق بدينار أو نصف دينار).
(4) لا يجوز استعمال الواقي الذكري من أجل جماع المرأة وقت حيضها؛ فإنه يحرم ذلك؛ لعموم النهي عن جماعها في حيضها.
(5) الاغتسال من الجنابة: فيجب على الجنب الغسل، لكن إن أراد الجنب أن ينام أو يأكل فله أن يتوضأ قبل النوم، وهذا الوضوء على الاستحباب وليس على الوجوب، ثم ليغتسل بعد ذلك[11].
قال الألباني رحمه الله: (ويجوز له التيمم بدل الوضوء أحيانًا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم»[12].
وإذا أراد أن يعاود الجماع فالأفضل له أن يغتسل أو يتوضأ، ويجوز أن يعاوده قبل الاغتسال والوضوء)[13].
هـ - وليجتهد أن لا يراها في حالة شعثة:
فقد نهى ﷺ عن طروق الرجل أهله ليلًا، وعلل ذلك فقال: «حتى تَستحِدَّ المُغِيبة، وتمتشط الشعثة».
ومعنى «تستحد المغيبة» أن تزيل شعر عانتها بعد غياب زوجها عنها، و«تمتشط الشعثة» أي التي شعث شعر رأسها وتفرق، والمقصود تهيؤ المرأة لاستقبال زوجها؛ بـإزالة الوسخ، وتمشـيط الشعر.
وفي حديث جابر رضي الله عنه حين قدومه على أهله: قال له النبي ﷺ: «الكَيْسَ الكَيْسَ»[14]، أي: الفطانة والانتباه، فلا يدخل عليها في أي وقت بغفلتها؛ خاصة إذا قدم من السفر، فلا يدخل عليها حتى يعلمها بقدومه.
قلت: ومن الكياسة أيضًا ألا تزف المرأة على زوجها وقد قرب حيضها، أو لا يسألون عن موعد الحيض، فيفاجؤون عند الدخول عليها أنها حائض، وربما وقع محظور بسبب ذلك.
و - أحكام الجماع وما يتعلق به:
(1) يجوز نظر كل من الزوجين للآخر، وتجردهما، واستمتاع كل منهما بالآخر، شـريطة أن لا يكون جماع في الدبر ولا في الحيض، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التجرد فكلها لا تصح.
(2) لا بأس بكلام الرجل مع زوجته، وكلامها معه في أثناء الجماع بما يزيد الرغبة، ولها أن تستثير غريزته بتليين صوتها، وتكسـر مشـيتها، والتمنع الخفيف الذي يزيد من حرصه.
(3) استحب العلماء أمورًا هي من قبيل المتممات لإحسان العشـرة، وتثبيت المحبة:
* فمن ذلك مداعبتها قبل الوقاع؛ حتى يأتيها من الشهوة مثله.
* لا ينزع من جماعه بمجرد حدوث شهوته، حتى تفرغ هي الأخرى.
(4) قال ابن قدامة رحمه الله: (وليس للرجل أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد بغير رضاهما، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن عليهما ضـررًا؛ لما بينهما من العداوة والغيرة، واجتماعهما يثير المخاصمة والمقاتلة، وتسمع كل منهما حسه إذا أتى إلى الأخرى، أو ترى ذلك، فإن رضـيتا بذلك جاز؛ لأن الحق لهما، فلها المسامحة بتركه) يعني السكنى في مسكن واحد[15].
(5) ينبغي لكل من الزوجين تجنب ما حرَّمه الشـرع من الزينة؛ فمن ذلك تجنب المرأة النمص، ووصل الشعر -ويدخل في ذلك وصل الرموش- وإطالة الأظفار، وتفليج الأسنان، ويتجنب الرجل حلق اللحية، والتحلي بالذهب والحرير، فكل ذلك حرام، وكذلك النمص لشعر الوجه، ولتحذر المرأة كذلك ترك غسل الرأس في غسل الجنابة بحجة التسـريح والكي.
(6) وليحذر الزوجان من ترتيب البيت وتأثيثه بما فيه معصـيه أو مخالفة لأمر الله؛ فمن ذلك تعليق الصور ذات الأرواح؛ وقد ثبت في الحديث أن جبريل قال للنبي ﷺ: «إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة»[16]، وكذلك اقتناء التحف التي على شكل تماثيل؛ سواء وضعت على المناضد، أو على الحوائط، أو نقشت بها بعض الكراسـي، وكذلك تحريم اتخاذ أواني الذهب والفضة للطعام والشـراب، فإن ابتلي بشـيء فيه تصاوير، فعليه أن يطمس الرأس، أو يزيله بأي طريقة كانت[17].
وكذلك يكره ستر الجدران بالسجاد ونحوه، ولكن لا بأس بستر النوافذ للحاجة، وأما الجدران فسترها هو من باب السـرف والزينة غير المشـروعة.
(7) يندب لمن رأى امرأة فأعجبته أن يأتي أهله -أعني يجامع زوجته- فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ رأى امرأة، فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها[18]، فقضـى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه فقال: «إن المرأة تقبل في صورة شـيطان، وتدبر في صورة شـيطان، فإذا أبصـر أحدكم امرأة فليأت أهله؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه»[19]. ومعنى «تمعس»: تدلك، و«المنيئة»: الجلد أول ما يوضع في الدباغ.
(8) قرر المجمع الفقهي تحريم تحديد النسل، وأجاز تنظيمه، والفرق بينهما: أن «تحديد النسل» معناه: الوقوف عند عدد معين من الذرية باستعمال وسائل تمنع الحمل مطلقًا.
وأما «تنظيم الحمل»: فهو استعمال وسائل يراد بها الوقوف عن الحمل مدة من الزمن لمصلحةٍ ما يراها الزوجان، أو من يثقان به من أهل الخبرة، والقصد منه مراعاة حال الأسـرة وشؤونها من صحة أو قدرة على الخدمة أو نحو ذلك[20].