حجم الخط:


المسألة الخامسة: آداب اللباس:

أذكر هنا بعض الآداب زيادة على ما تقدم، فينبغي أن يراعى أن كل ما سبق هو من آداب اللباس، ويزاد على ذلك ما يلي:

(1) استشعار نعمة الله تعالى:

على الإنسان أن يشاهد بقلبه نعمة الله عليه إذ منَّ عليه بما يستر عورته، ويقيه الحر والبرد، فيحمله ذلك على شكر الله عليه؛ قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81].

(2) التواضع وعدم التكبر في اللباس:

وليس معنى التواضع عدم التجمل، بل المقصود عدم الإسـراف، وعدم الحرص على لباس أغلى الثياب مباهاة وتكبرًا. وأما كونه يلبس ثوبًا حسنًا جميلًا نظيفًا، فهذا محمودٌ؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقيل: يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة أفهذا من الكبر؟، فقال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس»[1]. ومعنى «بطر الحق»: التكبر عليه وعدم قبوله، و«غمط الناس»: ازدراؤهم واحتقارهم.

(3) البدء باليمنى عند اللبس:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله»[2]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ: «كان إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه»[3]. فيستحب للإنسان إذا لبس ثوبًا أو نعلًا أن يبدأ باليمين.

(4) البدء باليسـرى عند نزع النعل:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تُنْعل وآخرهما تُنزع»[4]. قال النووي: (يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك)[5].

(5) يكره المشـي في نعل واحدة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمشـي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا، أو ليحفهما جميعًا»[6].

واختلفوا في الحكمة من ذلك:

قال الخطابي: (والحكمة في النهي أن النعل شـرعت لوقاية الرِّجل عما يكون في الأرض من شوك ونحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشـي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشـيه، ولا يأمن مع ذلك من العِثار، وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نُسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه)[7].

قال ابن العربي: (قيل: العلة فيها أنها مشـية الشـيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال)[8]. وقال البيهقي: (الكراهة فيها الشهرة؛ فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شـيء صـير صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب)[9].

تنبيه: ذهب الخطابي إلى أنه يلحق بذلك كل شفع من اللباس؛ كالخفين، وإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى، والتردي على أحد المنكبين دون الآخر، ومعنى (التردي): لبس الرداء.

وعارضه الحافظ في (الفتح) فقال: (وإلحاق إخراج اليد الواحدة من الكم وترك الأخرى بلبس النعل الواحدة والخف الواحد بعيد، إلا إن أخذ من الأمر بالعدل بين الجوارح وترك الشهرة، وكذا وضع طرف الرداء على أحد المنكبين)[10].

(6) الدعاء إذا لبس ثوبًا جديدًا:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا استجدَّ ثوبًا سماه باسمه؛ قميصًا، أو عمامة، أو رداء، ثم يقول: «اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شـره، وشـر ما صنع له»[11].

(7) الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا:

كان النبي ﷺ يدعو لمن لبس ثوبًا جديدًا فيقول: «البَس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة»[12].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة