الثالث: شـروط خطبتي الجمعة:
اشترط الفقهاء لخطبة الجمعة شـروطًا لا تصح الخطبة بدونها، ومن هذه الشـروط: حمد الله، والصلاة على النبي ﷺ، والشهادتان، وقراءة آية من القرآن، والوصـية بتقوى الله.
والراجح: أن ما ذكر من هذه الأمور لا يعد شـروطًا للخطبة؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تدل على الشـرطية، إنما هي مستحبات ومكملات لها. وأما الشـرطية فلا، ويستثنى من ذلك «الشهادتان» فهما شـرط؛ وذلك لحديث النبي ﷺ: «الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء»[1]. وأما الأدلة على استحباب بقية الأمور، فهي ما يأتي:
(أ) حمد الله: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان النبي ﷺ إذا خطب حمد الله وأثنى عليه»[2]، فهذا يدل على الاستحباب، لكنه لا يدل على الشـرطية.
(ب) الصلاة على النبي ﷺ: ولم يأت في ذلك دليل على شـرطية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة، وإنما الواجب أن يشهد بالشهادتين؛ فيأتي ذكر النبي ﷺ ضمنًا مع الشهادة. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله)[3].
وفي «جلاء الأفهام» لابن القيم أن الصلاة على النبي ﷺ في الخطب كان أمرًا مشهورًا معروفًا عند الصحابة رضي الله عنهم، لكن ليس ذلك على الوجوب[4].
(ج) قراءة القرآن: لما ثبت في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب قائمًا، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس»[5].
قال الشوكاني رحمه الله: (وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الحق)[6].
وعن أم هشام بنت حارثة رضي الله عنها قالت: «ما أخذت ﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ؛ يقرؤها كل جمعة إذا خطب الناس»[7].
والراجح عدم ملازمة قراءة آية مخصوصة في الخطبة، كما أنه لا تحديد لموضع قراءتها؛ سواء في أولها أو أثنائها أو آخرها، والله أعلم.
قال السعدي رحمه الله في «المختارات الجلية»: (وأما اشتراط تلك الشـروط بين الخطبتين: الحمد، والصلاة على رسول الله، وقراءة آية من كتاب الله، فليس على اشتراط ذلك دليل، والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة أن ذلك كاف، وإن لم يلتزم بتلك المذكورات، نعم من كمال الخطبة الثناء فيها على الله وعلى رسوله، وأن تشمل على قراءة شـيء من كتاب الله، وأما كون هذه الأمور شـروطًا لا تصح إلا بها -سواء تركها عمدًا أو خطأ أو سهوًا- ففيه نظر ظاهر، وكذلك كون مجرد الإتيان بهذه الأركان الأربعة من دون موعظة تحرك يجزئ ويسقط الواجب -وذلك لا يحصل به مقصود- فغير صحيح)[8].
تنبيه: يستحب أن يبدأ الخطبة بخطبة الحاجة، ولها ألفاظ مختلفة يمكن جمعها في اللفظ الآتي: «إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شـرور أنفسنا، وسـيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شـريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا عز وجل إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عز وجل عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿ ٧٠ ﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71][9].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشـر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»[10].