حجم الخط:


أقسام الصلح:

قد يقر أحد المتنازعين بالحق لصاحبه، وقد ينكر هذا الحق، أو يسكت فلا يقر له بحقه، وعلى هذا فينقسم الصلح إلى:

أولًا: الصلح مع الإقرار:

وذلك بأن يعترف المُدَّعَى عليه بالحق الذي يُطالب به، فهذا له أحوال:

(أ) أن يمتنع من أداء الحق الذي أقرَّ به حتى يصالح على بعضه؛ بأن يشترط على صاحب الحق أن يعطيه بعض حقه على أن يسقط الباقي، أو أن يعطيه حقه على أن يهبه شـيئًا ما؛ فهذا الشـرط باطل، وهذا ليس من باب الصلح؛ لأنه هضم للحق، وأخذ له من غير طيب نفس من صاحبه.

مثال: رجل له عند آخر أمانة، وقد أقر هذا الخصم بأن الأمانة عنده، لكنه أبى أن يعطيها له إلا أن يهدي له هدية، أو يترك له بعض الأمانة، فلا شك أن هذا الشـرط باطل، وأنه إن أخذ شـيئًا من ذلك فإنما يأخذه سحتًا.

(ب) وأما لو اعترف، فأبرأه صاحب الحق من بعضه -دون أن يشترط عليه المقر- على أن يعطيه الباقي، أو يصالحه عن الثمن بعروض، أو العكس، فهذا الصلح جائز، وعلى هذا فينقسم هذا الصلح إلى ثلاثة أقسام:

(1) الصلح مع المعاوضة:

بأن يعترف له بعين (سلعة) في يده، أو دين في ذمته، ثم يتفق على تعويضه عن ذلك بما يجوز تعويضه، كأن يصالحه بصـرف أحد النقدين عن الآخر بشـرط التسليم في المجلس، أو يصالحه على عروض بأثمان، أو العكس، أو يصالحه على منفعة؛ كسُكنَى دار ونحوه؛ فهذا كله جائز، مع مراعاة الأحكام الشـرعية في كل حالة.

(2) الصلح مع الإبراء،

وذلك بأن يقول له صاحب الحق: أبرأتك من (كذا)، فأعطني ما بقي؛ فذلك جائز؛ كما ثبت في حديث كعب أنه تقـاضـى ابن أبـي حدرد دينًا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ، فخرج إليهما ثم نادى: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه أن ضع الشطر من دينك، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: «قم فأعطه»[1].

(3) الصلح مع الهبة:

وهو أن يكون له في يده عين، فيقول: قد وهبتك نصفها -مثلًا- فأعطني بقيتها؛ فيصح، وتعتبر فيه شـروط الهبة.

ثانيًا: الصلح مع الإنكار أو السكوت:

وذلك بأن ينكر المدَّعَى عليه الحق الذي يطالب به، أو يسكت، فللعلماء في ذلك مذاهب:

المذهب الأول: جواز هذا الصلح -وهذا رأي الجمهور- وذلك لعموم قول النبي ﷺ: «الصلح جائز بين المسلمين».

المذهب الثاني: أنه لا يجوز؛ لأنه أخذ لمال المسلم من غير طيب نفسه، وهو مذهب الشافعية والظاهرية.

المذهب الثالث: وهو مذهب توسط بين المذهبين وتفصـيله كالآتي:

المدَّعِي حكمه كالآتي:

(أ) إن كان المدعي يعلم أن له حقًّا عند خصمه، جاز له قبض ما صولح عليه.

(ب) وإن كان يدعي باطلًا، فإنه يحرم عليه الدعوى، ويحرم عليه أخذ ما صولح عليه، هذا في المدعي.

وأما المدَّعَى عليه، فحكمه كالآتي:

(أ) إن كان عنده حق يعلمه، وإنما ينكر لغرض ما، وجب عليه تسليم ما صولح له (أي أنه يجب عليه تسليم الحق لصاحبه كاملًا)؛ لأنه ليس حقه.

(ب) وإن كان يعلم أنه ليس عنده حق، جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريم وأذيته، وحرُم على المدَّعِي أخذه[2].

مثال على ما تقدم: ادعى شخص على آخر أن عليه دينًا له، والآخر ينكر أو يسكت ولم يقر، فلا يخلو الحال من الآتي:

(1) أن يعلم المدَّعِي بأنه يتهم الآخر بالباطل، وأنه لا حق له عنده، فهذا المدَّعِي يحرم عليه أن يأخذ شـيئًا منه.

(2) أما إن كان يعلم أن له حقًّا فعلًا، وأن الآخر ينكر، ثم صالحه على شـيء، فيجوز له أخذ هذا الشـيء؛ لأنه حقه، وما لا يدرك كله لا يترك جله، وهذا لا يعني أن ما يأخذه المدَّعَى عليه حلال، إلا إن كان فعلًا لا يذكر شـيئًا من هذا.

وهكذا يقال بالعكس للمدَّعَى عليه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة