حجم الخط:

أحكام الولي وتفاصيله:

(1) قال الشـيخ محمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (إن من مقاصد هذا التشـريع الحكيم -يعني اشتراط الولي- صـيانة المرأة عن أن تباشـر بنفسها ما يشعر بوقاحتها ورعونتها، وميلها إلى الرجال، مما ينافي حال أرباب الصـيانة والمروءة)[1].

(2) إذا زوجت المرأة نفسها؛ قال مالك: (لا يُقر هذا النكاح أبدًا على حال، وإن تطاول وولدت منه أولادًا؛ لأنها هي عقدت عقد النكاح، فلا يجوز ذلك على حال)[2]. وبناءً على ما تقدم، فما يحدث في بعض الجامعات من تزويج الفتاة نفسها دون إذن أوليائها؛ نكاح باطل لا يصح، وهو كما قال أبو هريرة: «فإن الزانية هي التي تزوج نفسها».

(3) اختلف العلماء في تحديد الأولياء: قال الحافظ رحمه الله: (فقال الجمهور، ومنهم مالك والثوري والليث والشافعي وغيرهم: الأولياء في النكاح هم العَصَبة، وليس للخال، ولا والد الأم، ولا الإخوة من الأم ونحو هؤلاء؛ ولايةٌ. وعند الحنفية: هم من الأولياء)[3]. وهذا الأخير هو الذي عوَّل عليه صديق حسن خان في (الروضة الندية)؛ قال رحمه الله: (الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال: إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوَّجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات، بل قد يوجد في ذوي السهام كالأخ لأم، وذوي الأرحام كابن البنت، وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني الأعمام ونحوهم، فلا وجه لتخصـيص ولاية النكاح بالعصبات، كما أنه لا وجه لتخصـيصها بمن يرث، ومن زعم ذلك فعليه الدليل أو النقل بأن معنى الولي في النكاح شـرعًا أو لغة هو هذا)[4].

وعلى هذا فأقول: يقدم من الأولياء ما ذهب إليه الجمهور من العصبات، فإن لم يكن منهم أحد انتقلت الولاية لغيرهم من ذوي الأرحام، ولا غضاضة في ذلك، والله أعلم.

(4) يشترط في الولي أن يكون من أهل التكليف؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا مسلمًا، ولكن هل تشترط عدالته؟ الجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط عدالته الظاهرة، وقال بعضهم: ليست بشـرط ولكن يشترط الأمانة. قال ابن عثيمين رحمه الله: (والصواب في هذه المسألة أنه لا بد أن يكون الولي مؤتمنًا على مَوْلِيَّته)[5].

وأما الكافر فلا يكون له ولاية على مسلمة؛ قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، وقد زوج ابنُ سعيد بن العاص أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، وأبو سفيان -وهو أبوها- حي، لكنه كان مشـركًا وقتها، فلم يكن له عليها ولاية. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا أن الكافر لا يكون وليًّا لابنته المسلمة)[6].

(5) رتب العلماء الولاية على النحو الآتي: الأب، ثم الجد لأب وإن علا، ثم الابن، ثم أبناء الابن وإن نزلوا، ثم الإخوة لأبوين، ثم الإخوة لأب، ثم أبناء الإخوة، ثم الأعمام لأبوين، ثم الأعمام لأب، ثم أبناء الأعمام... إلخ[7]، وهناك خلاف في تقديم بعض هؤلاء.

(6) فإن لم يوجد أولياء، فالسلطان ولي من لا ولي له، وعلى هذا فيكون وليها (مأذون الأنكحة)؛ لأنه وكيل عن السلطان في هذا الأمر، والله أعلم[8]، وترى اللجنة الدائمة أن وليها في هذه الحالة: القاضـي الشـرعي.

(7) اعلم أن زوج الأم لا يكون وليًّا لابنتها مع أنها ربيبته في حجره؛ لأنه ليس من أوليائها، لكن إن وكله الولي صحت الوكالة، وصح العقد.

(8) يحدث في بعض العائلات أن يكون فيهم (كبير العائلة)، وقد لا يستحق الولاية شـرعًا لبعض بنات العائلة؛ لأنه ليس من عصباتها، وهم يحبون أن يتولى هو العقد بنفسه لمكانته بينهم، فلا مانع من أن يوكله الولي بذلك ليتولى هو عقد النكاح، كما أن لمأذون الأنكحة أن يوكل من يتولى عقد النكاح، إذا كانت المرأة لا وليَّ لها.

(9) إذا غاب الولي الأقرب ولا يمكن الرجوع إليه، انتقلت الولاية إلى من بعده، فإن لم يكن فالسلطان ولي من لا ولي له.

قلت: ويجب أن يراعى أننا في هذا الزمان يمكننا إعلام الولي الغائب عن طريق الهاتف، بل يمكن أن يتم العقد الشـرعي منه خلال هذه الأجهزة إذا تيقنا أنه هو الولي حقيقة، والأولى أن يوكل غيره إذا تعذر حضوره، أو كان غيابه سـيستمر مدة تطول أو نحو ذلك، فالأمر يحتاج إلى نظر ومشورة.

(10) إذا أوصـى الولي بأن يتولى عقد النكاح (فلان) بعد موته، هل تنفذ وصـيته؟ الجواب: لا تنفذ؛ لأن الولاية تسقط بالموت، إلا أن يأذن الأولياء الأحياء لهذا الوصـي؛ فإنهم أصحاب الحق، فيوكلوه لذلك.

(11) هل يصح أن يتولى إنسان واحد طرفي العقد؟

الجواب: نعم، وله صور:

الأولى: أن يكون هو أحد طرفي العقد بالأصالة عن نفسه، وبالولاية عن الزوجة. مثاله: أن يكون هو ابن عمها، وليس لها ولي أقرب منه، فيقول أمام الشهود: أشهدكم أني تزوجتها، أو أشهدكم أني زوجت نفسـي ابنة عمي فلانة، ونظير ذلك ما ثبت أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.

الثانية: أن يكون وكيلًا عن الزوج، وعن ولي الزوجة، فيوكله الزوج أن يزوجه، ويوكله ولي الزوجة أن يزوجها، فيقول أمام الشهود: زوجت ابنة موكلي فلان: (فلانة) إلى موكلي فلان.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة