يجوز للمؤذن أن يتكلم في أثناء الأذان، خاصة إذا كان الكلام مشـروعًا، كرد السلام وتشميت العاطس؛ لأنه لم يمنع من ذلك قرآن ولا سنة، وقد ثبت عن سليمان بن صـرد صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يؤذن للعسكر، فكان يأمر غلامه في أذانه بالحاجة[1]، وإلى هذا ذهب ابن حزم[2]. وقال ابن قدامة في المغني: (ورخص فيه: الحسن، وعطاء، وقتادة، وسليمان بن صـرد)[3]. وقال أبو داود رحمه الله: قلت لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم، فقيل: يتكلم في الإقامة؟ قال: لا.
قلت: يحمل قوله بمنع الكلام في الإقامة على أنه يستحب فيها الإسـراع، وأما من حيث الجواز فإنه جائز الكلام فيها؛ قال ابن حزم رحمه الله: (ثم الكلام المباح كله جائز في نفس الأذان والإقامة)[4].
ليس على النساء أذان ولا إقامة؛ لأنهن غير مخاطبات بالجماعة ولا بالأذان، لكن إن أذن وأقمن فلا بأس -أي في حضور نساء فقط- وبهذا قال الشافعي، وعن أحمد: إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز، وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم -أي لجماعة النساء- وتؤم النساء وتقف وسطهن. رواه البيهقي[5].
ومما ينبغي التنبيه عليه: أنها إذا أذنت تجعل صوتها بحيث تُسمِع من معها من النساء فقط، لا يتعدى ذلك فيسمعه الرجال.
لا يصح الأذان والإقامة إلا مرتبًا؛ لأن النبي ﷺ عَلم أبا محذورة الأذان مرتبًا. قال ابن حزم رحمه الله: (لا يجوز تنكيس الأذان ولا الإقامة، ولا تقديم مؤخر على ما قبله، فمن فعل ذلك فلم يؤذن ولا أقام ولا صلى بأذان وإقامة)[6].
وكذلك لا يصح إلا بألفاظه الواردة؛ فإن كان في لسانه لُثْغة جاز أذانه، وإن كان الأفضل أن يؤذن المحسن للألفاظ. ولا يصح إلا متواليًا، فإن فصل بعضه بزمن طويل لم يجزئ، لكن إن حصل له عذر من عطاس ونحوه فإنه يبني على ما سبق.
ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر أن يفرغ الإنسان من طعامه وشـرابه وقضاء حاجته وصلاة ركعتين على الأقل في كل الصلوات؛ وذلك للأدلة الآتية:
(1) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدرَ ما يفرُغ الآكل من أكله والشارب من شـربه، والمعتصـر إذا دخل لقضاء حاجته»[7].
(2) قوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة»[8]. والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة.
(3) ما ثبت من حديث أنس وغيره: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أذن المؤذن ابتدروا السواري وصلوا ركعتين»[9].
والمقصود من ذلك أن يتمكن الناس من إدراك الصلاة. قال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين.
الأذان للفائتة عن نوم أو نسيان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه في خبر نومهم عن الصلاة قال: فقال رسول الله ﷺ: «تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة»، قال: «فأمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة»[10]. قال الشوكاني رحمه الله: (استُدِل به على مشـروعية الأذان والإقامة في الصلاة المقضـية)[11].
قلت: وثبت نحوه يوم الخندق، وأن النبي ﷺ أمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصـر، ثم أقام فصلى المغرب.... الحديث. وقد تقدم في باب مواقيت الصلاة[12].
قال ابن عثيمين رحمه الله: (ولكن إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة... فلا يجب عليهم الأذان اكتفاء بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصل به الكفاية وسقطت به الفريضة)[13]. وقال ابن تيمية رحمه الله: (وليس الأذان بواجب للصلاة الفائتة، وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام، فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه، وإن كان يقضـي صلوات، فأذن أول مرة، وأقام لبقية الصلوات، كان حسنًا أيضًا)[14].
وكذلك إذا جمع بين الصلاتين أذن للأولى وأقام لكل صلاة؛ لما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ في عرفة أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصـر، وكذلك في المزدلفة أذن ثم أقام وصلى المغرب، ثم أقام وصلى العشاء[15].
قال الإمام البخاري رحمه الله: باب الإمام تَعرِض له الحاجة بعد الإقامة، ثم أورد حديث أنس بن مالك: «أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام للصلاة حتى نام القوم»[16]. قال الحافظ رحمه الله: (فيه جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه)[17].
هل يلزم أن لا يقيم إلا من أذن؟
الأولى أن يقيم الذي أذن؛ لأن بلالًا كان هو الذي يقيم الصلاة، كما يجوز أن يقيم غيره، ولا دليل على استحباب الإقامة للمؤذن دون غيره، وأما ما ورد من حديث: «من أذن فهو يقيم»[18] فإنه حديث ضعيف؛ قال الترمذي رحمه الله: (إنما نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث... والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم)[19]. قال الشافعي رحمه الله: (وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة)[20].
قلت: هذا من حيث الأفضلية؛ لأنه هو الثابت من أذان بلال وإقامته، لكن لا كراهة أن يقيم غيره، خاصة إذا تأخر المؤذن لسبب ما. ومما ينبغي أن يراعى أنه لا يقيم المؤذن حتى يأذن له الإمام.
قال الإمام مالك رحمه الله: (وأما قيام الناس حين تقام الصلاة، فإني لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس؛ فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد) [21]. وقال الحافظ رحمه الله: (وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة)[22]. لكن الثابت عن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة.
قال الألباني رحمه الله: (ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان الإمام في المسجد، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: إن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه[23]. رواه مسلم وغيره... و[أما] إذا لم يكن في المسجد فلا يقوموا حتى يروه قد خرج؛ لقوله ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» متفق عليه واللفظ لمسلم[24][25].
من كان في المسجد، وأذن المؤذن، فلا يخرج من المسجد إلا لعذر؛ لأنه قد وردت الأحاديث بالنهي عن الخروج من المسجد حتى يصلي، فمن هذه الأحاديث: عن أبي الشعثاء: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة رضي الله عنه فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشـي، فأتبعه أبو هريرة بصـره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصـى أبا القاسم ﷺ»[26].
لكن من كان له ضـرورة؛ كأن يكون محدثًا أو حاقنًا، أو إمامًا لمسجد آخر جاز له الخروج؛ لما ثبت أن الرسول ﷺ تذكر أنه جنب بعد إقامة الصفوف فخرج ليغتسل[27].
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»[28].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ: «قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعطه»[29].