حجم الخط:

الآيات (1-6)

الآية (1-4): الكلام على الحروف المقطعة تقدَّم في أول «البقرة».

وقوله: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ استفهام إنكار، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن يَبْتَلِيَ عباده المؤمنين بحَسَبِ ما عندهم من الإيمان؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «أشَدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثُمَّ الصالحون، ثم الأَمْثَل فالأَمْثَل؛ يُبْتَلَى الرجل على حَسَبِ دِينه، فإن كان في دينه صلابة زِيْدَ في البلاء» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]؛ وهذه الآية كقوله: ﱡﭐ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142]ولهذا قال ههنا: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أي: الذين صَدَقُوا في دعواهم الإيمان ممَّن هو كاذب في قوله ودعواه. والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مُجْمَعٌ عليه عند أئمة السنة والجماعة.

وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: لا يَحْسَبَنَّ الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يَتَخَلَّصُون من هذه الفتنة والامتحان؛ فإنّ مِن وَرَائِهم من العقوبة والنَّكَال ما هو أَغْلَظُ من هذا وأَطَمّ؛ ولهذا قال: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أي: يَفُوتُونا، ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: بئس ما يظنون.

الآية (5-6): ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ أي: في الدار الآخرة، وعَمِل الصالحات رجاءَ ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيُحَقِّقُ له رجاءه ويُوَفِّيهِ عَمله كاملًا موفورًا، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات.

وقوله: ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ من عَمِلَ صالحًا فإنَّـمَا يعود نَفْع عمله على نفسه؛ فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتْقَى قلب رجل منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد، وما ضرب يومًا من الدهر بسيف.