الآية (80): يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» [متفق عليه]. ﴿ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ أي: لا عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، فمن تَبِعك سَعِد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء؛ كما جاء في الحديث: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه» [رواه أبو داود وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (81): ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يُظهرون الموافقة والطاعة ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي: خرجوا وتواروا عنك ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ أي: استسرُّوا ليلًا فيما بينهم بغير ما أظهروه. قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفَظَته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد. والمعنى في هذا التهديد: أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يُضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك. ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم، ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تَخَفْ منهم أيضًا ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ أي: كفى به وليًا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه.
الآية (82): يقول تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيًا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهُّم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تضادّ ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﴾ أي: لو كان مُفتعَلًا مُختلَقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا ﴾ أي: اضطرابًا وتضادًّا ﴿ كَثِيرًا ﴾ أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله؛ كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم حيث قالوا: ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ [آل عمران:7].
الآية (83): إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء كذبا أن يُحدِّث بكل ما سمع» [رواه مسلم]. وعن عمر بن الخطاب حين بلغه أن رسول الله ﷺ طَلَّق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على رسول الله ﷺ فاستفهمه: أطلقتهن؟ فقال: «لا». قال: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه. ونزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر [متفق عليه]. ومعنى قوله: ﴿ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ أي: يستخرجونه من معادنه. وقوله: ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قال ابن عباس: يعني المؤمنين.
الآية (84): يأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا ﷺ أن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه؛ ولهذا قال: ﴿ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ﴾. عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا؛ إن الله بعث رسوله ﷺ وقال: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ﴾ إنما ذلك في النفقة. [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: على القتال ورغِّبهم فيه وشجعهم عليه؛ كما قال لهم رسول الله ﷺ يوم بدر وهو يسوّي الصفوف: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» [رواه مسلم]. ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم. ﴿ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد:4].
الآية (85): ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك.
﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾ أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته. وقال مجاهد بن جَبْر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ قال ابن عباس: أي: حفيظًا. وقال مجاهد: شهيدًا. وفي رواية عنه: حسيبًا. وقال السدي: قديرًا. وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب[1]. وقال الضحاك: المقيت: الرزاق.
الآية (86): قوله: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أي: إذا سلَّم عليكم المُسلِّم فردّوا عليه أفضل مما سلّم، أو ردوا عليه بمثل ما سلّم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
فأما أهل الذمة فلا يُبْدَؤون بالسلام ولا يُزادون، بل يرد عليهم بما ثبت عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك! فقل: وعليك» [متفق عليه]. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام» [رواه مسلم]. وقال الحسن البصري: السلام تطوع، والرد فريضة. وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل؛ لأنه خالف أمر الله في قوله: ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾.