الآية (79-82): ذكر سبحانه قصة السحرة مع موسى عليه السلام في سورة الأعراف، وقد تقدَّم الكلام عليها هناك. وفي هذه السورة، وفي سورة طه، وفي الشعراء؛ وذلك أن فرعون -لعنه الله- أراد أن يُعارض ما جاء به موسى من الحقِّ المبين، فخاب وخسر الجنة، واستوجب النار. ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴿٧٩﴾ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾؛ وإنما قال لهم ذلك لأنهم اصطَفُّوا -وقد وُعِدُوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل- ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴿٦٥﴾ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ﴾ [طه:65-66]، فأراد موسى أن تكون البَدَاءةُ منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيَدْمَغ باطلهم؛ ولهذا لَـمَّا ﴿ أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف:116]، ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ ﴿٦٧﴾ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ ﴿٦٨﴾ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴾ [طه:67-69]. فعند ذلك قال موسى لَـمَّا ألقوا: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٨١﴾ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾.
الآية (83): يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام -مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات- إلا قليل من قوم فرعون، من الذرية -وهم الشباب- على وَجَلٍ وخوف منه ومن مَلَئِهِ، أن يردُّوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ لأن فرعون كان جبَّارًا عنيدًا مُسرفًا في التمرُّد والعُتُوِّ، وكانت له سَطْوة ومَهابة، تخاف رعيته منه خوفًا شديدًا. قال ابن عباس: ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ قال: فإن الذرية التي آمنت لموسى مِن أناس غير بني إسرائيل؛ من قوم فرعون يسير؛ منهم: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.
﴿ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾ أي: وأشراف قومهم أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يُخَاف منه أن يَفتِنَ عن الإيمان سوى قارون؛ فإنه كان من قوم موسى، فبَغَى عليهم. وممَّا يدلُّ على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن: قوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾.
الآية (84-86): يقول تعالى مُخبرًا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ أي: فإن الله كافٍ مَن توكَّل عليه، ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر:36]، ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق:3]. وكثيرًا ما يَقْرِنُ الله بين العبادة والتوكُّل؛ كقوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود:123]، ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ [الملك:29]، وأَمَر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعدِّدة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة:5]. وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك، فقالوا: ﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: لا تُظْفِرْهُم بنا، وتُسَلِّطْهُم علينا، فيظنُّوا أنهم إنما سُلِّطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل، فيُفتَنُوا بذلك. هكذا روي عن أبي مِجْلَز وأبي الضُّحى. وقال مجاهد: لا تعذِّبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذابٍ من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حقٍّ ما عُذِّبوا، ولا سُلِّطْنا عليهم، فيُفتَنُوا بنا. ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ ﴾ أي: خلِّصنا برحمة منك وإحسان ﴿ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ الذين كفروا الحق وستروه، ونحن قد آمنا بك وتوكَّلنا عليك.
الآية (87): يذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم؛ وذلك أن الله تعالى أَمَر موسى وأخاه هارون عليهما السلام ﴿ أَنْ تَبَوَّآ ﴾ أي: يتَّخذا لقومهما ﴿ بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾.
عن ابن عباس: ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ قال: أُمِرُوا أن يتَّخِذوها مساجد. وكأن هذا -والله أعلم- لَـمَّا اشتدَّ بهم البلاء من قِبَل فرعون وقومه، وضَيَّقوا عليهم، أُمِرُوا بكثرة الصلاة؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة:153].
وفي الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبه[1] أَمْرٌ صَلَّى [رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني]. ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بالثواب والنصر القريب. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: لا نستطيع أن نُظهِر صلاتنا مع الفراعنة. فأَذِن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأُمِرُوا أن يجعلوا بيوتهم قِبَل القبلة. وقال مجاهد: ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ قال: لَـمَّا خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يُقْتَلُوا في الكنائس الْـجَامِعَة، أُمِرُوا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلةً الكعبة، يُصَلُّون فيها سرًّا. وكذا قال قتادة والضحاك.
الآية (88): هذا إخبار من الله تعالى عمَّا دعا به موسى عليه السلام على فرعون وَمَلَئه، لَـمَّا أبَوْا قبول الحقِّ واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين، ظلمًا وعلوًّا وتكبُّرًا وعتوًّا، قال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ﴾ أي: من أثاث الدنيا ومتاعها ﴿ وَأَمْوَالًا ﴾ أي: جزيلة كثيرة ﴿ فِي ﴾ هذه ﴿ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ أي: لِيَفْتَتِنَ بما أعطيتهم من شئت من خلقك، لِيَظُنَّ من أَغْوَيْتَه أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا لِـحُبِّك إياهم، واعتنائك بهم.
﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي: أهلكها. وقال الضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس: جعلها الله حجارةً منقوشةً كهيئة ما كانت.
وقوله: ﴿ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾. وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غَضَبًا لله ولدينه على فرعون وملئه، الذين تبيَّن له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء؛ كما دعا نوح عليه السلام فقال: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [نوح:26-27]؛ ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة التي أمَّنَ عليها أخوه هارون، فقال تعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾ [يونس:89].