حجم الخط:

الآيات (65-70)

الآية (65-66): ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المحارم والمآثم ﴿ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي: لأزَلْنا عنهم المحذور ولحصَّلنا لهم المقصود. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ قال ابن عباس، وغيره: يعني القرآن. ﴿ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه، من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بَعَثَ الله به محمدًا ؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة.

وقوله: ﴿ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني: كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96]، وقال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41].

وقوله: ﴿ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ كقوله: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:159]. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقيَّة، كما في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٣٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر:32-33]. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة.

الآية (67): يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتمّ القيام. عن عائشة قالت: من حَدّثَك أن محمدًا كتم شيئًا مما أُنزل عليه فقد كذب، وهو يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [متفق عليه]. وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا، كما ثبت عن جابر أن رسول الله قال في خطبته يومئذٍ: «أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم، ويقول: «اللهم هل بَلَّغْت». [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ يعني: وإن لم تُؤَدِّ إلى الناس ما أرسلتك به ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ أي: وقد عَلِم ما يترتَّب على ذلك لو وقع. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أي: بَلِّغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومُظْفِرك بهم، فلا تَخَف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك. وعن عائشة قالت: كان النبي يُحْرَس حتى نزلت هذه الآية: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ قالت: فأخرج النبي رأسه من القُبَّة، وقال: «يا أيها الناس، انصرفوا؛ فقد عصمني الله عز وجل» [رواه الترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر]. ومن عصمة الله عز وجل لرسوله: حفْظُه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومُعَانديها ومُترَفيها، مع شدة العداوة والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة.

وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أي: بَلِّغ أنت، والله هو الذي يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، كما قال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272].

الآية (68-69): ﴿ قُلْ يا محمد ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أي: من الدين، ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، وممَّا فيها الأمر باتباع محمد والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته؛ ولهذا قال مجاهد، في قوله: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: القرآن العظيم. وقوله: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ أي: فلا تحزن عليهم ولا يَهيدنَّك[1] ذلك منهم.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم المسلمون ﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا وهم حملة التوراة. ولَـمَّا طال الفصل حَسُنَ العطف بالرفع فقال: ﴿ وَالصَّابِئُونَ [وهم]: طائفة من النصارى والمجوس، ليس لهم دين. قاله مجاهد، وعنه: من اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير: من اليهود والنصارى، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويُصلُّون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور. وقيل غير ذلك. ﴿ وَالنَّصَارَىٰ معروفون، وهم حملة الإنجيل.

والمقصود: أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر، وهو المعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملًا صالحًا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقًا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد تقدم الكلام على نظيراتها في سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته ههنا[2].

الآية (70): يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدّموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم رَدُّوه؛ ولهذا قال: ﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ .