الآية (59): قال: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾ أي: لكائنة وواقعة ﴿ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون بها، بل يكذبون بوجودها.
الآية (60): هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه: أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: يا مَنْ أحبُّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب. عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني].
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يدع الله عز وجل غضب الله عليه» وهذا إسناد لا بأس به.
وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ أي: صاغرين حقيرين، كما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «يُحْشَر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصَّغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (61): يقول تعالى ممتنًّا على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرًا، أي: مضيئًا، ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم.
الآية (62): ثم قال: ﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ أي: فكيف تعبدون غيره من الأصنام، التي لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة منحوتة.
الآية (63): قوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أُفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته.
الآية (64): قوله: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾ أي: جعلها مستقرًا لكم، بساطًا مهادًا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم، ﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ أي: سقفًا للعالم محفوظًا، ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم. ﴿ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ أي: من المآكل والمشارب في الدنيا.
فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق؛ فهو الخالق الرازق؛ كما قال في سورة البقرة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:21-22] وقال ههنا بعد خلق هذه الأشياء: ﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: فتعالى وتقدّس وتنزّه رب العالمين كلهم.
الآية (65): ثم قال: ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي: هو الحي أزلًا وأبدًا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له.
﴿ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أي: موحدين له مُقرّين بأنه لا إله إلا هو ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: «لا إله إلا الله» أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملًا بهذه الآية. ثم روى عن ابن عباس قال: من قال: «لا إله إلا الله» فليقل على أثرها: «الحمد لله رب العالمين» فذلك قوله تعالى: ﴿ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
عن محمد بن مسلم بن تدرس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». قال: وكان رسول الله ﷺ يُهلّ بهن دبر كل صلاة. رواه مسلم.
الآية (66): ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ينهى أن يُعْبَد أحد سواه؛ من الأصنام والأنداد والأوثان.