الآية (55-58): يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات فنزلوا في رَوْضات الجنات، أنهم في شغل عن غيرهم، بما هم فيه من النعيم المقيم، والفوز العظيم. قال الحسن البصري: ﴿ فِي شُغُلٍ ﴾ عما فيه أهل النار من العذاب. وقال مجاهد: ﴿ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ أي: في نعيم معجبون، أي: به. وقال ابن عباس: أي: فرحون. وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب: شغلهم افتضاض الأبكار. ﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ ﴾ قال مجاهد: وحلائلهم ﴿ فِي ظِلَالٍ ﴾ أي: في ظلال الأشجار ﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم: ﴿ الْأَرَائِكِ ﴾ هي السرر تحت الحجال[1]. ﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ﴾ أي: من جميع أنواعها، ﴿ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذّ. ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ قال ابن عباس: فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة. وهذا الذي قاله ابن عباس كقوله تعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ﴾ [الأحزاب:44].
الآية (59): يقول تعالى مخبرًا عما يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى: يميزون عن المؤمنين في موقفهم؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ [يونس:28]، وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ [الروم:14]، ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم:43] أي: يصيرون صدْعَين: فرقتين.
الآية (60-62): ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ أي: قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ﴾ والمراد بذلك: الخلق الكثير. ﴿ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾؟! أي: أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعُدُولِكم إلى اتباع الشيطان؟!
الآية (63-65): يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة، وقد بُرِّزَت الجحيم لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ أي: هذه التي حذرتكم الرسل فكذبتموهم ﴿ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴿١٣﴾ هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٤﴾ أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الطور:13-15]. ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت.
عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون مم أضحك؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تُجرني من الظلم؟! فيقول: بلى. فيقول: لا أجيز عليّ إلا شاهدًا من نفسي. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حَسيبًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. فيختم على فيه، ويُقال لأركانه: انطقي. فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لكنَّ وسُحقًا، فعنكُنّ كنتُ أناضل» [رواه مسلم].
الآية (66-67): ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يقول: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون؟! وقال مرة: أعميناهم. وقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم، فجعلهم عُميًا يترددون. وقال السُّدي: لو شِئْنا أعمينا أبصارهم. قال مجاهد وقتادة والسدي: ﴿ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ﴾ يعني: الطريق. وقال ابن زيد: يعني بالصراط ههنا: الحق، ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ وقد طمسنا على أعينهم؟! وقال ابن عباس: لا يبصرون الحق. ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: أهلكناهم. وقال السُّدي: يعني: لغيرنا خَلْقهم. وقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم. ﴿ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا ﴾ أي: إلى أمام ﴿ وَلَا يَرْجِعُونَ ﴾ أي: إلى وراء، بل يلزمون حالًا واحدًا، لا يتقدمون ولا يتأخرون.
الآية (68): يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره رُدَّ إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط؛ كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم:54]. والمراد من هذا -والله أعلم- الإخبارُ عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار؛ ولهذا قال: ﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى سن الشَّبيبَة، ثم إلى الشيخوخة؛ ليعلموا أنهم خُلقوا لدار أخرى، لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.
الآية (69-70): ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد ﷺ أنه ما علمه الشعر، ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾ أي: وما هو في طبعه؛ فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جِبِلَّته. عن النبي ﷺ: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا» [رواه البخاري ومسلم]. والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم. على أن الشعر فيه ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وأمثالهم وأضرابهم، رضي الله عنهم أجمعين. ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب. قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ أي: ما هذا الذي علمناه ﴿ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ أي: بيّن واضح جلي لمن تأمله وتدبره. ﴿ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ﴾ أي: لينذر هذا القرآن البيّن كلّ حي على وجه الأرض؛ كقوله: ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام:19]. وإنما ينتفع بنذارته من هو حَيّ القلب، مستنير البصيرة، كما قال قتادة. وقال الضحاك: يعني: عاقلًا. ﴿ وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ أي: هو رحمة للمؤمن، وحجة على الكافر.