حجم الخط:

الآيات (20-39)

الآية (20-22): ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا أي: في تلك الحال، ﴿ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: قبل أن يُوحَى إليَّ ويُنْعِم الله عليَّ بالرسالة والنبوة. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: ﴿ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: الجاهلين.

﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي: انفصل الحال الأول وجاء أمر آخر؛ فقد أرسلني الله إليك، فإن أطَعْتَه سَلِمْتَ، وإن خالفتَه عَطِبْتَ.

ثم قال موسى: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أي: وما أحسنتَ إلي وربَّيْتني مقابل ما أسأتَ إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدًا وخَدَمًا، تُصَرِّفُهُم في أعمالك ومشاقِّ رعيتك، أفَيَفِي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أَسَأْتَ إلى مجموعهم؟! أي: ليس ما ذَكَرتَه شيئًا بالنسبة إلى ما فَعَلْتَ بهم.

الآية (23-28): يقول تعالى مخبرًا عن كُفر فرعون، وتَـمَرُّدِه وطغيانه وجحوده، في قوله: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي [القصص:38]، ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54]، وكانوا يجحدون الصانع تعالى، ويعتقدون أنه لا ربَّ لهم سوى فرعون، فلمَّا قال له موسى: ﴿ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزخرف:46]، قال له: ومن هذا الذي تَزْعُم أنه ربُّ العالمين غيري؟! هكذا فَسَّرَه علماء السلف وأئمة الـخَلَف، حتى قال السُّدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ ﴿٤٩ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ [طه:49-50].

فعند ذلك قال موسى لَـمَّا سأله عن ربِّ العالمين: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والـمُتَصَرِّف فيه وَإِلَـهُهُ، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها: العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو؛ الجميع عبيد له خاضعون ذليلون. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة.

فعند ذلك الْتَفَتَ فرعون إلى مَن حوله مِن مَلَئِه ورؤساء دولته قائلًا لهم، على سبيل التَّهَكُم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: ﴿ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ؟! أي: ألا تعجبون ممَّا يقول هذا في زَعْمه أن لكم إِلَـهًا غيري؟! فقال لهم موسى: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه.

﴿ قَالَ أي: فرعون لقومه: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أي: ليس له عَقْل في دعواه أن ثَمَّ ربًّا غيري. ﴿ قَالَ أي: موسى لأولئك الذين أَوْعَزَ إليهم فرعون ما أَوْعَزَ من الشُّبهة، فأجاب موسى بقوله: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي: هو الذي جَعَل الـمَشْرِق مشرقًا تَطَلُعُ منه الكواكب، والـمَغْرِب مغربًا تَغْرُب فيه الكواكب، ثوابتها وسيَّارَاتها، مع هذا النظام الذي سَخَّرها فيه وقدَّرها، فإن كان هذا الذي يَزعُم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليَعْكِس الأمر، وليجعل الـمَشْرِق مغربًا، والـمَغْرِب مشرقًا؛ كما أَخبَر تعالى عن ﴿ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258]؛ ولهذا لَـمَّا غُلِبَ فرعون، وانقطعت حُجَّته، عَدَل إلى استعمال جاهه وقوَّته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافعٌ له ونافذٌ في موسى عليه السلام.

الآية (29-37): لَـمَّا قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عَدَل إلى أن يَقهَر موسى بيده وسلطانه، فظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال، فقال: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ .

فعند ذلك قال موسى: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي: ببرهان قاطع واضح، ﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٣١ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفمٍ كبير، وشَكْلٍ هائل مزعج.

﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ أي: من جيبه ﴿ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ أي: فاضل بارع في السحر. فَرَوَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيَّجَهم وحَرَّضَهم على مخالفته والكفر به، فقال: ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيَكْثُر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويَغلِبُكم على دَولَتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ فيه ماذا أصنع به.

﴿ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿٣٦ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ أي: أخِّرْه وأخاه حتى تَجْمَع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحّار عليم يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتَغْلِبُه أنت وتكون لك النُّصْرَة والتَّأييد. فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتَظْهَر آيات الله وحُجَجُه وبراهينه على الناس في النهار جَهْرَةً.

الآية (38-39): ذَكَر تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى عليه السلام والقِبْط في «سورة الأعراف» وفي «سورة طه»، وفي هذه السورة؛ وذلك أن القِبْط أرادوا أن يُطْفِئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

وهذا شأن الكفر والإيمان: ما تواجها وتقابلا إلا غَلَبَه الإيمان، ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18]، ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]، ولهذا لَـمَّا جاء السَّحَرة، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أَسْحَر الناس وأَصْنَعهم وأَشَدَّهم تخييلًا في ذلك، وكان السَّحَرة جمعًا كثيرًا، وجمًّا غفيرًا، والله أعلم بعِدَّتهم.