الآية (111): ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ ﴾ أي: تُحَاجُّ ﴿ عَنْ نَفْسِهَا ﴾ ليس أحد يُحَاجُّ عنها، لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة.
﴿ وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾ أي: من خير وشرٍّ.
﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا يَنقُص من ثواب الـخير، ولا يزاد على ثواب الشَّرِّ، ولا يُظلمون نقيرًا.
الآية (112-113): هذا مَثَلٌ أُرِيدَ به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يُتخطَّف الناس مِن حولها، ومن دَخَلَها آمِنٌ لا يَخاف؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴾ [القصص:57] وهكذا قال ههنا: ﴿ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا ﴾ أي: هَنِيئًا سَهْلًا، ﴿ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ﴾ أي: جَحَدَت آلاء الله عليها، وأعظم ذلك بعثة محمد ﷺ إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿٢٨﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ [إبراهيم:28-29].
ولهذا بدَّلـهم الله بِحَالَيْهِم الأَوَّلَيْن خلافهما، فقال: ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ﴾ أي: أَلْبَسَها وأَذَاقَها الجوع بعد أن كان يُجْبَى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رَغَدًا من كل مكان.
وقوله: ﴿ وَالْخَوْفِ ﴾ وذلك بأنهم بُدِّلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة، مِن سطوة سراياه وجُيوشه، وجعلوا كل ما لهم في سَفَال ودَمَار، حتى فَتَحَها الله عليهم، وذلك بسبب صنيعهم وبَغْيِهم وتكذِيبهم الرسولَ الذي بَعَثَه الله فيهم منهم، وامتنَّ به عليهم في قوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [آل عمران:164]، وقال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ الآية [الطلاق:10-11]، وقوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة:151-152].
وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرَّغَد، بَدَّل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورَزَقَهم بعد العَيْلَة، وجَعَلَهم أُمراءَ الناس وحُكَّامَهم، وسادتَهم وقادتَهم وأئمتَهم. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل مضروب لمكة، قاله العوفي عن ابن عباس. وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله.
الآية (114-117): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك؛ فإنه الـمُنْعِم الـمُتَفَضِّل به ابتداءً، الذي يستحقُّ العبادة وحده لا شريك له. ثم ذَكَر ما حَرَّمَه عليهم ممَّا فيه مضرَّة لهم في دينهم ودنياهم، من الميتة والدم ولحم الخنزير، ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ أي: ذُبِح على غير اسم الله.
ومع هذا ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أي: احتاج في غير بغي ولا عدوان ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وقد تقدَّم الكلام على مثل هذه الآية في سورة «البقرة»[1].
ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الذين حلَّلُوا وحَرَّموا بمجرَّد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البَحِيرَة والسَّائِبَة والوَصِيلَة والـحَام، وغير ذلك ممَّا كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾.
ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعةً ليس فيها مستند شرعي، أو حَلَّل شيئًا ممَّا حَرَّم الله، أو حَرَّم شيئًا ممَّا أباح الله، بمجرَّد رأيه وتَشهِّيه.
ثم تَوَعَّدَ على ذلك فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ أي: في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم؛ كما قال: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان:24]، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿٦٩﴾ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس:69-70].
الآية (118): لَـمَّا ذَكَر تعالى أنه إنما حَرَّم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، وأنه أَرْخَصَ فيه عند الضرورة، وفي ذلك توسعة لهذه الأمة؛ ذَكَر سبحانه وتعالى ما كان حَرَّمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والأغلال والـحَرَج والتضييق، فقال: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ﴾ يعني قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [الأنعام:146]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ أي: فيما ضيَّقنا عليهم، ﴿ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي: فاستحقُّوا ذلك، كما قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [النساء:160].