الآية (10-11): ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾، وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحُكْمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحَكَمُ العدل الحكيم القدير.
وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ﴾ عن جابر أن النبي ﷺ نزل منزلًا، وتَفَرَّق الناس في العِضَاه يستظلون تحتها، وعلَّق النبي ﷺ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله ﷺ فأخَذه فَسَلَّه، ثم أقبل على النبي ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله»! قال الأعرابي مرتين أو ثلاثًا: من يمنعك مني؟ والنبي ﷺ يقول: «الله»! قال: فَشَام[1] الأعرابي السيفَ، فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خَبَرَ الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه [رواه البخاري]. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: من توكَّل على الله كفاه الله ما أهمَّه، وحفظه من شر الناس وعَصمه.
الآية (12-13): لـمَّا أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكَّرهم نعَمَه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يُبيِّن لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجَنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح، فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ يعني: عُرَفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه. وهكذا لـمَّا بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيبًا؛ ثلاثة من الأوس، وهم: أُسيد بن الحُضَيْر، وسعد بن خَيْثَمَة، ورفاعة بن عبد المنذر -ويقال بدله: أبو الهيثم بن التَّيِّهان- ╚، وتسعة من الخزرج، وهم: أبو أُمامة أسعد بن زُرَارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العَجْلان، والبراء بن مَعْرور، وعُبادة بن الصامت، وسعد بن عُبَادة، وعبد الله بن عَمْرو بن حرام، والمنذر بن عَمْرو بن خُنَيس ╚. والمقصود: أن هؤلاء كانوا عُرَفَاء على قومهم لَيْلَتَئِذٍ عن أَمْر النبي ﷺ لهم بذلك، وهم الذين وَلُوا المبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة. عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ: [كم يملك هذه الأمة من خليفة؟] فقال: «اثنا عشر كَعِدَّة نُقباء بني إسرائيل» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن جابر بن سَمُرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا». ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عَلَيّ، فسألت، أي: ماذا قال النبي ﷺ؟ قال: «كلهم من قريش» [متفق عليه]، ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وُجد منهم أربعة على نَسَق، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ╚، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس. ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشَّر به في الأحاديث الواردة، وليس هذا بالمنتظَر الذي تتوهّم الرافضة وُجوده ثم ظهوره من سرداب (سَامرّاء)! فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو مِن هَوَسِ العقول السخيفة، وَتَوَهُّم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض، لجهلهم وقلة عقلهم.
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: بحفظي وكَلاَءتي ونصري ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ﴾ أي: صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق، ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وهو: الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته؛ ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أي: ذنوبكم أَمْحُوها وأَسْتُرُها، ولا أؤاخذكم بها، ﴿ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود. ﴿ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عَقْده وتوكيده وشدِّه، وجحَده وعامَله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال.
ثم أخبر تعالى عما أحلّ بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاقَ الذي أخذ عليهم لعنَّاهم، أي: أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى، ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ أي: فلا يتَّعظُون بموعظة، [لِغِلَظِ قلوبهم] وقساوتها، ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ أي: فَسَدَت فُهومهم، وساء تصرُّفهم في آيات الله، وتأوَّلوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل عياذًا بالله من ذلك، ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أي: وتركوا العمل به رغبةً عنه. وقال الحسن: تركوا عُرَى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها. وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فِطَر مستقيمة، ولا أعمال قويمة، ﴿ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ يعني: مكرهم وغَدْرهم لك ولأصحابك. ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ وهذا هو عَيْن النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، كما قال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ يعني به: الصفح عمن أساء إليك.