الآية (1-3): نَزَلَتْ هذه السورة الكريمة لَـمَّا رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صَدَّهُ المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ليَقْضِيَ عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامَه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تَكَرُّهٍ من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب. فلمَّا نَحَر هَدْيَهُ -حيث أُحْصِرَ- ورجع، أنزل الله عز وجل هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجَعَل ذلك الصُّلْحَ فَتْحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آلَ الأمر إليه؛ كما روي عن ابن مسعود، وغيره أنه قال: إنكم تعدُّون الفتح فتحَ مكة، ونحن نعدُّ الفتح صُلْح الحديبية. وقال جابر: ما كُنَّا نَعُدُّ الفتح إلا يوم الحديبية.
وعن البراء قال: تعدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتح بيعةَ الرضوان يوم الحديبية [رواه البخاري].
وعن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي ﷺ يصلي حتى تَرِمَ قَدَماه، فقيل له: أليس قد غَفَر الله لك ما تَقَدَّم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» [متفق عليه].
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أي: بَيِّنًا ظَاهِرًا، والمراد به صُلْحُ الحديبية؛ فإنه حَصَلَ بسببه خير جزيل، وآمَنَ الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكَلَّم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان.
وقوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ هذا من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره.
وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره (غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه وما تأخر). وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو ﷺ في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم يَنَلْهَا بَشَرٌ سواه، لا من الأوَّلين ولا من الآخرين، وهو ﷺ أَكْمَل البَشَر على الإطلاق، وسيِّدُهم في الدنيا والآخرة. ولَـمَّا كان أطوعَ خَلْق الله تعالى، وأَشَدَّهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه، قال حين بَرَكَتْ به الناقة: «حَبَسَهَا حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم شيئًا يعظّمون به حُرُمَات الله إلا أجبتهم إليها» [رواه البخاري].
فلمَّا أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصُّلْح، قال الله له: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أي: بما يَشْرَعُه لك من الشَّرع العظيم والدين القويم، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله ويَنْصُرك على أعدائك، كما جاء في الحديث: «وما زاد الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وما تَوَاضَع أحد لله إلا رَفَعَه الله» [رواه مسلم]. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عَاقَبْتَ -أي في الدنيا والآخرة- أحدًا عَصَى الله تعالى فيكَ بمثل أن تُطِيْعَ الله فيه.
الآية (4-7): ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ أي: جَعَل الطمأنينة ﴿ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلمَّا اطمأنَّت قلوبهم لذلك، واستقرَّت زَادَهم إيمانًا مع إيمانهم. وقد استَدَلَّ بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.
ثم ذَكَر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: ولو أرسل عليهم مَلَكًا واحدًا لَأَبَادَ خَضْرَاءهم، ولكنه تعالى شَرَع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لِـمَا له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويَرحَم ويَشْكُر، ﴿ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾؛ كقوله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران:185].
وقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ أي: يَتَّهِمُون الله في حكمه، ويظنُّون بالرسول وأصحابه أن يُقْتَلُوا ويذهبوا بالكلية؛ ولهذا قال: ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ﴾ أي: أَبْعَدَهم من رحمته، ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. ثم قال مؤكِّدًا لقدرته على الانتقام من الأعداء -أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين-: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾.
الآية (8-9): يقول تعالى لنبيِّه محمد ﷺ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ﴾ أي: على الخلق، ﴿ وَمُبَشِّرًا ﴾ أي: للمؤمنين، ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ أي: للكافرين. وقد تقدَّم تفسيرها في سورة «الأحزاب»[1].
﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يُعَظِّمُوه، ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام، ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ أي: يسبحون الله، ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ أي: أول النهار وآخره.