حجم الخط:

الآيات (1-6)

الآية (1): يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم عليه السلام ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وهي حواء؛ خُلِقَتْ من ضِلعه الأيسر، وفي الحديث الصحيح: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً أي: وذَرَأ من آدم وحواء رجالًا كثيرًا ونساء، ونَشَرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم، وألوانهم ولُغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه، قال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرَّحِم. وقال الضحاك: واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بِرُّوها وصِلُوها. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا أي: هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم، وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب؛ ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة؛ ليعطفَ بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.

الآية (2-4): يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحُلُم كاملة موفرة، وينهَى عن أكلها وضَمِّها إلى أموالهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ قال سعيد بن جبير: لا تبَدَّلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم. ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعًا.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا قال ابن عباس: أي إثمًا كبيرًا عظيمًا. والمعنى: إنّ أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه. قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء؛ فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه. وقوله: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ أى: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن؛ إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثًا، وإن شاء أربعًا. وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أي: فإن خشيتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، فيقتصر على واحدة، أو على الجواري السّراري؛ فإنه لا يجب قَسْمٌ بينهن. وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا قال بعضهم: أدنى ألا تكثر عائلتكم. والصحيح قول الجمهور: أي: لا تجوروا. يقال: عالَ في الحكم إذا قسط وجار. قوله: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً قال ابن عباس: المهر. وقالت عائشة: فريضة. ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه، فليأكله حلالًا طيبًا؛ ولهذا قال: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا .

الآية (5-6): ينهى تعالى عن تَمْكين السفهاء من التصرّف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ قال: هم بَنُوك، والنساء. وكذا قال ابن مسعود. وقال سعيد بن جُبَير: هم اليتامى. وقال مجاهد: هم النساء. وقوله: ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ قال ابن عباس يقول: لا تَعْمَد إلى مالك وما خَوَّلك الله، وجعله معيشة، فتعطيَه امرأتك أو بَنِيكَ، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمْسِكْ مالك وأصلِحْه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسْوتهم ومؤنتهم ورزقهم. وقال مجاهد: ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا : يعني في البر والصلة. وهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة، ومَنْ تحت الحجْر بالفعل، من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب، وتحسين الأخلاق. قوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ أي اختبروهم ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ، قال مجاهد: يعني: الحُلُم. قال الجمهور: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحُلُم، أو يستكمل خمس عشرة سنة، واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، هل يدل على بلوغ أم لا؟ والصحيح أنه بلوغ.

وقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ أي: متَى بلغَ الغلام مُصْلِحًا لدينه وماله، انفكَّ الحَجر عنه، فيُسلّم إليه ماله الذي تحت يد وليّه. وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافًا ومبادرَةً قبل بلوغهم. قوله: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي: من كان في غُنْيَةٍ عن مال اليتيم فَلْيستعفِفْ عنه، ولا يأكل منه شيئًا ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ عن عائشة: أنها نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرًا، أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف [رواه البخاري].

وقوله: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد، فحينئذ سلِّموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴿ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وهذا أمر الله تعالى للأولياء: أن يُشهِدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلّموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جُحُود وإنكار لما قبضه وتَسلَّمه. ثم قال: ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة، مروج حسابها، مُدلّس أمورها؟ الله عالم بذلك كله.