الآية (1-3): يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب -وهو القرآن العظيم- من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال عز وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء:192-195]. وقال ههنا: ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ ﴾ أي: المنيع الجناب، ﴿ الْحَكِيمِ ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد؛ ولهذا قال: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. وقال قتادة في قوله: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر عز وجل عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة والسدي: ﴿ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾ أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك». وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل بردّها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل:36]. وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأَبَوه، ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ [النحل:74]، تعالى الله عن ذلك. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه.
الآية (4): ثم بيّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال: ﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون. وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه؛ كما قال: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء:17]، كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم. ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ أي: تعالى وتنزّه وتقدّس عن أن يكون له ولد؛ فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء عبدٌ لديه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه، الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت.
الآية (5): يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره، ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا؛ كقوله: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ [الأعراف:54] هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد. ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي: إلى مدة معلومة عند الله ثم تنقضي يوم القيامة. ﴿ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.