الآية (1-14): قال ابن عباس: ﴿ﱉ ﱊ ﱋ﴾ يعني: أظلمت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت.
قال ابن جرير: والصواب عندنا أن التكوير: جَمعُ الشيء بعضه إلى بعض، ومنه تكوير العمامة، فمعنى قوله: ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ جُمِعَ بعضها إلى بعض، ثم لُفَّت فرُمِيَ بها، وإذا فُعِلَ بها ذلك ذَهَبَ ضوؤها.
﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ أي: انتثرت، وأصل الانكدار: الانصباب؛
كما قال تعالى: ﴿ ﱅ ﱆ ﱇ ﴾ [الانفطار: 2].
﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ أي: زَالَتْ عن أماكنها ونُسِفت، فتُرِكَتْ الأرض قاعًا صَفْصَفًا. ﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ العشار من الإبل -وهي: خيارها والحوامل منها التي قد وَصَلت في حملها إلى الشهر العاشر، واحدها: عُشَرَاء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تَضَع- قد اشتغل الناس عنها وعن كَفَالتها والانتفاع بها، بعد ما كانوا أَرغَب شيء فيها، بما دَهَمهم من الأمر العظيم الـمُفظِع الهائل، وهو أمرُ القيامة. [وقيل غير ذلك]، حكى هذه الأقوال القرطبي ورجَّح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس. قلت: بل لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم. ﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ أي: جُمِعَت؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﴾ [الأنعام:38]، قال ابن عباس: يُحشَر كل شيء حتى الذباب. وكذا قال غير واحد. وعن ابن عباس قال: حَشْرُ البهائم موتها. قال ابن جرير: والأَولى قول من قال: جُمعت؛ قال الله تعالى: ﴿ ﱖ ﱗ﴾ [ص: 19]، أي: مجموعة. ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يُرسِل الله عليها الدَّبور فتُسَعِّرُها، وتصير نارًا تأجَّج. وقال الحسن: يبست.
﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ أي: جُمِعَ كلُّ شَكْل إلى نظيره، كقوله: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ [الصافات:22]. واختاره ابن جرير، وهو الصحيح.
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ الموؤودة هي التي كان أهل الجاهلية يَدُسُّونَها في التراب كراهيةَ البنات، فيومَ القيامة تُسأل على أي ذنب قُتلت، ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإذا سئل المظلوم فما ظَنُّ الظالم إذًا؟! ﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ قال الضحاك: أُعْطِيَ كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله. وقال قتادة: صَحِيفتك يا ابن آدم، تُملِي فيها، ثم تُطوَى، ثم تُنشَر عليك يوم القيامة. ﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴾ قال مجاهد: اجْتُذِبَتْ. وقال السُّدِّي: كُشِفَت. ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ قال قتادة: أُوقِدَتْ. وإنما يُسَعِّرُهَا غَضَب الله وخَطَايا بني آدم. ﴿ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خُثَيم أي: قُرِّبَت إلى أهلها. ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾: هذا هو الجواب، أي: إذا وَقَعَت هذه الأمور حينئذٍ تعلم كل نفس ما عَمِلَت وأُحْضِرَ ذلك لها.
الآية (15-29): ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾ عن عليٍّ قال: «الـخُنَّس»: هي النجوم تَخْنُس بالنهار، وتَظْهَر بالليل. وكذا رُوي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم. وقال بعض الأئمة: إنما قِيل للنجوم: «الـخُنَّس»، أي: في حال طلوعها، ثم هي «جَوَارٍ» في فَلَكِها، وفي حال غيبوبتها. وقال ابن مسعود: بقر الوحش. وعن ابن عباس: الظباء. وتوقف ابن جرير، وقال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادًا.
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: إقباله بظلامه. قال مجاهد: أظلم. وقال سعيد بن جبير: إذا نَشَأَ. وقال الحسن: إذا غَشي الناس. وقال ابن عباس: إذا أَدْبَر. وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك. واختار ابن جرير أن المراد: إذا أدبر. وعندي أن المراد: إذا أَقْبَلَ، وإن كان يَصِحُّ استعماله في الإدبار، لكن الإقبال ههنا أَنسَب؛ كأنه أَقسَم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق.
﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ قال الضحاك: إذا طَلَع. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن عليٍّ. وقال ابن جرير: يعني: وَضَوء النهار إذا أقبل وَتَبَيَّن. ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ يعني: أن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: مَلَك شريف حَسَن الخلق، بَهيّ الـمَنْظَر، وهو جبريل عليه السلام. قاله ابن عباس وغيره.
﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ أي: شديد الخَلْق، شديد البَطْش والفِعْل ﴿ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ أي: له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة. ﴿ مُطَاعٍ ثَمَّ ﴾ أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مُطَاع في الملأ الأعلى. ﴿ أَمِينٍ ﴾ صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدًّا أن الرب عز وجل يُزَكِّي عبدَه ورسوله الملكي جبريل كما زَكَّى عبده ورسوله البشري محمدًا ﷺ بقوله: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾. ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خَلَقَه الله عليها -له ستمائة جناح- ﴿ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ أي: البَيِّن، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، والظاهر -والله أعلم- أن هذه السورة نَزَلَت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴿١٣﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ ﴾ [النجم:13-14]، فتلك إنما ذُكِرتْ في سورة «النجم»، وقد نَزَلَتْ بعد سورة الإسراء.
﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِين[1]﴾ أي: وما محمد على ما أَنْزَلَه الله إليه ﴿بِظَنِين﴾ أي: بِمُتَّهَمٍ. ومنهم من قرأ بالضاد، أي: ببخيل، بل يَبْذُلُه لكل أحد. والظَنِين: الـمُتَّهَم، والضَّنِين: البخيل. واختار ابنُ جرير قراءة الضَّاد. قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح.
﴿ وَمَا هُوَ ﴾ أي: وما هذا القرآن ﴿ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴾، أي: لا يقدر على حَمْله، ولا يريده، ولا ينبغي له. ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾؟! أي: فأين تَذهَب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حَقًّا من عند الله عز وجل. ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ أي: هذا القرآن ذِكْر لجميع الناس، يتذكَّرون به ويتَّعِظُون، ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ أي: من أراد الهداية فعَلَيْه بهذا القرآن، فإنه مَنْجَاةٌ له وهداية، ولا هداية فيما سواه، ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضَلَّ، بل ذلك كلُّه تابع لمشيئة الله تعالى ربِّ العالمين.