حجم الخط:

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

وهنا سنتحدث أولاً عن المعنى الإفرادي للقاعدة، ثم المعنى الإجمالي لها، مع الإشارة إلى السبب الذي دعا العلماء إلى ترك التعبير بنص الحديث مع شهرته إلى هذا النص المذكور.

أولاً: المعنى الإفرادي للقاعدة: هذه القاعدة مكوَّنة من لفظين هما (الأمور) و(المقاصد).

فأما لفظ (الأمور) فهو جمع أمرٍ، وهو يعني هنا معنًى واسعاً الذي هو: التصرفات الفعلية والقولية والاعتقادية.

وأما لفظ (المقاصد) فهو جمع مقصَدٍ، وهو يعني الإرادة المتوجهة إلى الشيء، ولهذا فلو أن لفظ (المقصد) فُسِّر بالنية بمعناها العام لما كان بعيداً؛ فإن المعنى العام للنية هو: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرضٍ من جلب نفعٍ أو دفع ضرٍّ حالاً أو مآلاً.

وأما معناها الخاص فلا يتأتى تفسير المقصد به، وهو: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى. وهو معنىً يُلحظ عليه أن النية مرادفةٌ فيه للإخلاص.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أن تصرفات المكلَّف من قوليةٍ أو فعليةٍ أو اعتقاديةٍ تختلف أحكامها الشرعية باختلاف إرادته ونيته.

وأما سبب عدول العلماء إلى التعبير بلفظ القاعدة (الأمور بمقاصدها) دون لفظ الحديث (الأعمال بالنيات) فالذي يظهر أنهم اضطروا إلى الأخذ بهذا اللفظ؛ لأنه أعم من لفظ الحديث؛ لكون لفظ (الأمور) أوسع معنًى من لفظ (الأعمال) من جهة أن لفظ (الأمور) يشمل الأفعال والأقوال والاعتقادات، وأما لفظ (الأعمال) فهو أخص من لفظ (الأمور) بل هو أخص من أحد مشمولاته الذي هو الفعل، فالعمل هو ما كان واقعاً بقصدٍ، وأما الفعل فإنه يُنسب إلى من يقع منه فعلٌ بغير قصدٍ، وقد يُنسب إلى الجمادات أيضاً، والعمل قلَّما يُنسب إلى ذلك.

وكذا لفظ (المقاصد) أعم من لفظ (النيات) من جهة أن لفظ (المقاصد) يشمل العزم والتوجه المقترن بالفعل والمتقدم عليه، بخلاف النية فإنها لا تكون إلا في العزم والتوجه المقترن بالفعل، ولا تتقدم عليه إلا لضرورة.

كما أن (المقاصد) لا تختص بإمالة الإرادة إلى قصد الثواب والتقرب إلى الله تعالى، بخلاف النية فإنها تختص بذلك.

ومع هذا فإن الفقهاء لا يُعبِّرون إلا بلفظ النية؛ لأنها أدق في الدلالة على مقصودهم في الأقوال والأفعال من جهة أن النية لا بد أن تكون مقارنةً للفعل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة