للنية شروطٌ لا يُعتد بالنية إذا فقدت واحداً منها، وإليك هذه الشروط:
الشرط الأول: أن يكون الناوي مسلماً، وهذا شرطٌ لصحة النية في العبادات دون غيرها، وإنما اشترطنا هذا الشرط هنا؛ لأن النية عبادةٌ، ومن شرط صحة العبادة الإسلام، فالكافر فاقدٌ لشرط صحة العبادة وهو الإسلام.
الشرط الثاني: أن يكون الناوي مميزاً، ومعناه: أن يكون لدى الناوي القدرة العقلية على التمييز بين النافع والضار، وإنما اشترطنا هذا الشرط؛ لأن النية لا بد فيها من القصد، ومعلومٌ أن غير المميز - كالمجنون والصبي - لا قصد له.
واستثنى العلماء من ذلك الإتلاف، فإنه يكون سبباً موجباً للضمان، ولو لم يكن الناوي مميزاً؛ لتعلق الإتلاف بحقوق العباد التي مبناها على المشاحة.
الشرط الثالث: العلم بالمنوي، فلا تصح النية من المكلف مع جهله بحقيقة ما نواه أو بحكمه، وهذا الشرط له فائدةٌ في اشتراط التعيين في النية الذي تقدم الكلام عنه؛ فإن من لم يعلم بما نواه فإنه لا يمكنه تعيينه بالنية.
وبناءً عليه فمن لم يعلم بفرضية الصلاة أو الوضوء لم يصح منه فعلهما، ومن جهل تحريم فعلٍ معيَّنٍ - ممن يصح وقوع الجهل منه - لم يلزمه حكم فعله، وذلك لعدم تحقق نية الفعل منه.
ويُستثنى من هذا: الفعل الذي يؤول إلى العلم، فإذا نواه وهو لا يعلم حقيقته أو حكمه صحت نيته؛ لأنه يرجع إلى أن يكون معلوماً، ومن ذلك: الإحرام المبهم، وهو الإحرام بما أحرم به فلانٌ وهو يمكن له سؤال ذلك الشخص عن نوع إحرامه، فيصح هذا وينعقد الإحرام، ثم يُعيِّنه بعد السؤال، كما أن عليّاً رضي الله عنه أحرم بما أحرم به النبي ﷺ وهو لا يعلم نوع إحرام النبي ﷺ، فصححه له النبي ﷺ[1].
ومثله: أن يقول البائع للمشتري: بعتك بما باع به فلانٌ، إذا كان يمكنه أن يعلم القيمة التي باع بها ذلك الشخص، فقد قيل بصحة هذا مع الجهل بمقدار الثمن الذي هو جزءٌ من حقيقة البيع المنوي؛ لأنه يؤول إلى العلم.
الشرط الرابع: عدم المنافي بين النية والمنوي: والمنافي هنا له قسمان:
القسم الأول: ما يُنافي انعقاد النية ابتداءً، والمنافي لانعقاد النية ابتداءً له ثلاثة أنواع:
النوع الأول: التردد في النية وعدم الجزم فيها أصلاً، فمثل هذا يُنافي انعقاد النية ابتداءً، وذلك كمن اشترى سيارةً للركوب أو بيتاً للسكنى وهو ينوي إنْ أصاب ربحاً باعه فإنه لا زكاة عليه؛ لأنه لم يجزم بنية التجارة، بل هو مترددٌ فيها.
ويُستثنى من هذا الشرط التردد في النية في حالة الاشتباه فيما لو نسي أداء صلاة يومٍ معيَّنٍ وجهل عينها، فإنه يُصلي خمس صلواتٍ حتى يجزم بوجودها، وتصح نية القضاء في هذه الصورة مع التردد وعدم الجزم في المقضي.
النوع الثاني: عدم القدرة على المنوي إما عقلاً وإما شرعاً وإما عادةً، والمقصود: أنه إذا نوى أمراً يستحيل في العقل أو يمتنع في الشرع أو في العادة فإن نيته لا تنعقد صحيحةً في الأصل.
النوع الثالث: التشريك في النية، وهذا النوع له ثلاث حالاتٍ:
الحالة الأولى: تشريكٌ يُبطل النية والعبادة مطلقاً، وذلك بأن ينوي مع العبادة ما لا يكون عبادةً بأي وجهٍ، ولا يُمكن تداخله معها، مثل: أن يذبح الأضحية لله ولغيره، فهنا تبطل نية الأضحية وتحرم الذبيحة؛ لأن الذبح لغير الله لا يمكن أن يكون عبادةً، ولا يُمكن أن يتداخل مع الذبح بقصد الأضحية.
الحالة الثانية: تشريكٌ لا يُبطل النية ولا العبادة، وذلك بأن ينوي مع العبادة ما يمكن أن يكون عبادةً، أو ينوي مع العبادة عبادةً أخرى يمكن تداخلها معها، فمن الأول: أن يغتسل بالماء وينوي به الغُسل والتبرد، فهنا يصح التشريك في النية، ويكون اغتساله هنا صحيحاً.
ومن الثاني: أن ينوي بالركعتين سنة الفجر وتحية المسجد، أو يؤخر طواف الإفاضة إلى وقت الوداع، وينوي بالطواف الوداع والإفاضة، فهنا يصح التشريك في النية، ويقع فعله عن العبادتين.
الحالة الثالثة: تشريكٌ تبطل فيه نية إحدى العبادتين دون الأخرى، وذلك بأن ينوي مع العبادة عبادةً أخرى لا يمكن تداخلها معها، وذلك كأن ينوي بحجه الفرض والنفل، فإن نيته تصح في الفرض وتبطل في النفل؛ لعدم صحة التداخل بينهما.
القسم الثاني: ما يُنافي استمرار النية، والمنافي لاستمرار النية له نوعان:
النوع الأول: قطع النية:
وهذا المنافي ليس على إطلاقه، فإنه لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون القطع مؤثراً بمجرد نيته، وهذا النوع من القطع مؤثرٌ في العبادات القلبية - أي التي محلها القلب في الأصل - وذلك كالإيمان بالله تعالى، فمن نوى قطع الإيمان صار مرتدّاً في الحال، فإن الردة تؤثر في العمل سواءٌ كانت شكّاً أو اعتقاداً أو قولاً.
ومؤثرٌ كذلك في العبادات الفعلية التي تكون أفعالها مرتبطةً ببعضها زماناً ومكاناً كالصلاة، فمن نوى قطع الصلاة، بطلت صلاته بمجرد نية القطع.
الحالة الثانية: أن لا يكون القطع مؤثراً في العمل مطلقاً، وعدم تأثير هذا النوع من القطع يكون في الأمور الآتية:
1- الحج والعمرة، فمن نوى قطعهما لم ينقطعا وعليه الاستمرار فيهما؛ لورود الدليل الخاص على وجوب المضي فيهما وإتمامهما على كل حالٍ.
2- العبادة التي يريد قطعها بنية الإتيان بمنافٍ لها، كمن ينوي الأكل أو الفعل الكثير في الصلاة ولا يفعل فإنه لا تنقطع صلاته، أو ينوي الأكل أو الشرب في الصوم ولا يفعل فإنه لا ينقطع صومه، أو ينوي الخروج من المسجد لغير حاجةٍ ولا يفعل فإنه لا ينقطع اعتكافه.
3- المعاملات بين الخلق، لا يؤثر فيها نية القطع ما لم يأتِ بمنافٍ عمليٍّ؛ فهي تنعقد بعملٍ ظاهرٍ من قولٍ أو فعلٍ، فلا تنقطع أو تنفسخ إلا بعملٍ ظاهرٍ.
ويجدر التنبيه هنا أن القطع لا يؤثر بعد فوات محله، كأن ينوي قطع العبادة بعد الفراغ منها فإن هذا لا يؤثر في صحة العبادة.
كما أن السهو والغفلة عن النية في أثناء العبادة لا يُعد قطعاً لها.
النوع الثاني: القلب أو النقل للنية:
وهذا الأمر يعد منافياً لاستمرار النية في العبادات إذا كان نقلاً من شيءٍ إلى أمر مساوٍ له أو أعلى منه وأقوى، وذلك مثل أن ينوي قلب الفرض إلى فرضٍ آخر فإنه لا يحصل واحدٌ منهما، أو ينوي قلب النفل إلى فرضٍ فإنه لا يحصل واحدٌ منهما، وهذا بخلاف النقل من الأعلى إلى الأدنى فإنه لا يؤثر في استمرار نية العبادة، فتنتقل النية للأدنى، وذلك كمن نوى قلب الفرض إلى نفلٍ مطلقٍ فإنه ينقلب نفلاً، ولا تنقطع نية العبادة.
وأما في المعاملات فهذا النوع غير مؤثرٍ إلا إذا أتبعه بتصرفٍ يدل عليه.
الشرط الخامس: أن تكون النية مقارنة لأول العمل إذا كان مما يُشترط فيه المقارنة.
وذلك أن وقت انعقاد النية يختلف باختلاف العمل بالنسبة إلى وقته، فإن العمل بالنسبة إلى وقته لا يخلو من ثلاث حالاتٍ:
الحالة الأولى: أعمالٌ يكون المكلف مخيَّراً في إيقاعها في أي جزءٍ من وقتها؛ لكون وقتها واسعاً يسع العمل ويسع غيره من جنسه، فهذه يُشترط أن تكون النية مقارنةً لأول العمل، ولا يضر التقدم اليسير؛ لمقاربته، فإن ما قارب الشيء أُعطي حكمه، وذلك كالصلاة.
الحالة الثانية: أعمالٌ يكون المكلَّف غير مخيَّرٍ في إيقاعها في أي جزءٍ من وقتها؛ لكون وقتها مضيّقاً لا يسع شيئاً من جنس ذلك العمل، فهذا يجوز أن تتقدم النية فيه مطلقاً عن أول العمل، ولا تُشترط المقارنة؛ لتميُّز العمل بكون وقته لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يصح أن تتأخر النية عن أول العمل، وذلك كالصيام الواجب.
الحالة الثالثة: أعمالٌ ذات شبهين، فيكون المكلف فيها مخيَّراً في إيقاعها في أي وقتٍ؛ لسعة وقتها، وليس مخيَّراً في إيقاع غيرها من جنسها معها في هذا الوقت، فهذا يجوز أن تتأخر النية فيه عن أول العمل، ويجوز أن تتقدم، وذلك كصيام النافلة، فإنه يجوز أن ينويه من النهار وقبل الزوال؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
الشرط السادس: الإخلاص في النية:
والمراد به: أن يُراد بالعمل وجه الله تعالى وحده، وهذا شرطٌ لقبول النية، ومما يدل على اشتراط هذا الشرط قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البَيِّنَة: 5].
وبناءً على ذلك فلو أنه فُقد هذا الشرط بأنْ خالط النيةَ الرياءُ، وهو أن يُريد بالعمل غير وجه الله تعالى فإنه يؤثر في عدم قبول العمل، ولكنه يُستثنى من تأثير الرياء هنا مسألتان:
إحداهما: أن يبتدئ المكلف العبادة بالإخلاص، ثم يعرض الرياء في أثنائها، فالحكم للسابق، ولا يضر الرياء اللاحق، وتجب مدافعته.
ثانيتهما: أن يُريد المكلف العبادة ويخشى من الرياء، فإنه لا ينبغي له أن يترك العبادة لأجل هذه الخشية؛ لأنها أمرٌ متوهم.