17- الجلوس بين السجدتين:
وقد تقدم بيان ذلك في حديثي أبي حميد ووائل بن حُجر، وكذلك في حديث المسـيء صلاته، وفي رواية له: «... ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا»، وفي رواية لمسلم: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا».
وفيه دليل على وجوب الطمأنينة في الجلوس، ومما يدل على مشـروعيته أيضًا ما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا، فكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسـي، وإذا رفع رأسه من السجود مكث حتى يقول القائل قد نسـي»[1]. ومعنى «لا آلو»: أي لا أقصـر.
وصفة القعود: أن يجلس مفترشًا قدمه اليسـرى جالسًا عليها، وينصب اليمنى موجهًا أصابعها إلى القبلة، وقد تقدم دليل ذلك، وأيضًا فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسـرى»[2].
عن طاوس قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاءً بالرجل، قال: «بل هي سنة نبيك ﷺ»[3]. والمقصود بهذا الإقعاء كما قال البيهقي: (هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض)، و«العقب» هو مؤخر القدم، و«أليتيه» أي: مقعدته.
(1) ثبت في بعض الآثار عن جماعة من الصحابة كراهية الإقعاء، وكرهه: النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأهل الرأي؛ وذلك لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهاني خليلي ﷺ عن إقعاء كإقعاء الكلب»[4]، وثبت عنه ﷺ «أنه كان ينهى عن عُقبة الشـيطان»[5]. «عقبة الشـيطان»: قال أبو عبيد وغيره: هو الإقعاء المنهي عنه. قال ابن الصلاح رحمه الله: (هذا الإقعاء محمول على أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة)[6].
(2) لم يأت في الأحاديث نصٌّ صـريح في موضع اليدين في هذه الجلسة، والذي رآه الفقهاء أن اليدين تكونان مبسوطتين على الفخذين، لكن ورد في صفة الجلوس في الصلاة وصفان لوضع اليدين، ذكرا عمومًا في الصلاة، فحملهما البعض على الجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد، وفيهما الإشارة بالسبابة وتحليق الوسطى مع الإبهام، وهذا ما ذهب إليه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله وابن القيم رحمه الله[7]. وسـيأتى بيان لهذين الوصفين عند ذكر التشهد الأوسط.
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن اليدين مبسوطتان على الفخذين في هذا الموطن[8]، وأما الصفة المذكورة فهي في الجلوس للتشهد كما ورد في روايات أخرى.
(1) عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»[9].
(2) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، واهدني وارزقني»[10]. وعند أبي داود «وعافني» مكان «واجبرني».