ويستحب الذكر بعد الصلاة:
يستحب ذكر الله عز وجل بعد السلام، وذلك للإمام والمأموم والمنفرد، والرجل والمرأة، والمقيم والمسافر، وغيرهم، وورد في ذلك أحاديث؛ منها:
(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير»[1]، وفي رواية له: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصـرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ، أعلم إذا انصـرفوا بذلك إذا سمعته. وهذا يدل على رفع الصوت بالتكبير. قال الإمام النووي رحمه الله في شـرحه لهذا الحديث: (هذا دليل لما قاله بعض السلف أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري، ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير)[2].
قلت: وظاهر الحديث يدل على رفع الصوت بالتكبير كما لا يخفى، وهذا هو الراجح، والله أعلم. قال ابن حزم رحمه الله: (ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة حسن) انتهى من (المحلى) (3 /180). ونقل البهوتي في (كشاف القناع) (1/366) عن شـيخ الإسلام ابن تيمية استحباب الجهر: (قال الشـيخ [أي ابن تيمية]: ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة).
وسئل الشـيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن حكم المسألة فأجاب: (الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة... وأما من قال: إن الجهر بذلك بدعة، فقد أخطأ فكيف يكون الشـيء المعهود في عهد النبي ﷺ بدعة؟! قال الشـيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: ثبت ذلك عن النبي ﷺ من فعله وتقريره، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي ﷺ بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول ﷺ إياهم، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم).
(2) عن ثوبان رضي الله عنه: كان رسول الله ﷺ إذا انصـرف من صلاته، استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»[3].
(3) عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شـيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله - وفي رواية: «العلي العظيم» لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصـين له الدين ولو كره الكافرون»، وقال: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة[4].
(4) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شـيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ»[5].
(5) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمُعوِّذتين دُبُرَ كل صلاة»[6].
(6) وتقدم حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي ﷺ أخذ بيده يومًا، ثم قال: «يا معاذ إني لأحبك»، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك، قال: «أوصـيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»[7].
(7) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شـيء قدير، غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر»[8].
(8) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثٌ وثلاثون تسبيحة، وثلاثٌ وثلاثون تحميدة، وأربعٌ وثلاثون تكبيرة»[9].
(9) عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، قال: «وما ذاك؟»، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ: «أفلا أعلمكم شـيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تسبحون الله، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين مرة».. الحديث.
وفيه أن أبا صالح راوي الحديث فسـر ذلك بأن تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر؛ حتى تبلغ بهن ثلاثًا وثلاثين[10]. «وأهل الدثور» هم أصحاب الأموال أي: الأغنياء.
(10) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا أربعًا وثلاثين، فأُتِي رجل من الأنصار في منامه، فقيل له: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا...؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمسًا وعشـرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «اجعلوها كذلك»[11].
(11) عن سالم بن أبي بكرة قال: كان أبي يقول في دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر»، فكنت أقولهن، فقال: أي بني: عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك، قال: «إن رسول الله ﷺ كان يقولهن دبر الصلاة»[12].
(12) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنــه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»[13].
(13) وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شـيء قدير، بعد ما يصلي الغداة، عشـر مرات، كتب الله عز وجل له عشـر حسنات، ومحا عنه عشـر سـيئات، ورفع له عشـر درجات، وكن له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل، فإن قالها حين يمسـي كان له مثل ذلك، وكن له حجابًا من الشـيطان حتى يصبح»[14].
(14) عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا»[15].
(15) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «خصلتان أو خلتان لا يحصـيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسـير، ومن يعمل بهن قليل؛ يسبح في دبر كل صلاة عشـرا، ويحمد عشـرا، ويكبر عشـرا؛ فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعًا وثلاثين، إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان»، فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله، كيف هما يسـير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: «يأتي أحدكم - يعني الشـيطان - في منامه، فينومه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته، فيذكره حاجته قبل أن يقولها»[16].