ثانيًا: تقليم الأظفار:
وفيه خلاف؛ لأنه لم يأت نص قرآني ولا نبوي يتعلق بالمسألة، فيظل فيها الخلاف كالخلاف السابق في بقية الشعور، لكن نقل بعضهم الإجماع على المنع من تقليم الأظفار. قال ابن قدامة رحمه الله: (أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم: حماد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي عن عطاء، وعنه: لا فدية عليه؛ لأن الشـرع لم يرد فيه بفدية)[1]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (فإن صح هذا الإجماع فلا عذر في مخالفته، وإن لم يصح، فإنه يبحث في تقليم الأظفار كما بحثنا في حلق بقية الشعر)[2].
قلت: وعلى هذا، فالأحوط عدم الأخذ، إلا إن اضطر لذلك، كمن انكسـر ظفره فتأذى به. قال ابن عثيمين مبيِّنا محظورات الإحرام: (تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين إلا إذا انكسـر ظفره وتأذى به فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شـيء عليه).
(1) من حلق شعر رأسه فعليه فدية[1]، واختلفوا في القدر الذي تجب فيه الفدية؛ فبعضهم يرى الفدية في حلق ثلاث شعرات، وبعضهم يرى الفدية في حلق ربع الرأس، وغير ذلك من الأقوال، لكن أرجح الأقوال: أن الفدية على من يقال في حقه: إنه أماط الأذى عن رأسه؛ لأنه ظاهر القرآن، وهو مذهب المالكية، واختاره ابن حزم، وابن عبد البر، وابن عثيمين. والدليل على ذلك:
(أ) قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة:196]، فلا تجب الفدية إلا في حالة إماطة الأذى.
(ب) أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، وهذا يحتاج إلى إزالة شعر غالبا، ولم يثبت أنه افتدى؛ لأنه لا يقال: إنه إماطة الأذى عن رأسه.
بناءً على ما سبق، فإنه لا تجب الفدية إلا لمن حلق حلقًا يقال فيه: إنه أماط الأذى، وأما مجرد حلق بعض الشعرات وإزالتها فلا تجب فيه الفدية. قال أبو حنيفة: تجب الفدية بحلق ربع الرأس أو اللحية فأكثر، أو حلق عضوٍ كاملٍ سواهما -كعانته-وقال مالك: تجب بحلق مقدارٍ يماط به الأذى أو يحصل به الترفه، وقال الشافعي وأحمد: في الشعرة مُد من طعام، وفي الشعرتين مُدَّان، وفي الثلاثة دم.
وأما ما عدا ذلك من الشعور في بقية الجسد غير الرأس، ففيه خلاف في وجوب الفدية، وأما تقليم الأظفار، فالراجح قول عطاء أنه لا فدية فيه، سواء قلنا بحرمة التقليم أم لا.
(2) لا يعني ما سبق أنه يجوز أن يأخذ بعض الشعر من رأسه؛ فإن ذلك حرام، لكن الكلام السابق متعلق بوجوب الفدية، وعلى هذا فأخذ أي شعر من الرأس لا يجوز، لكن الفدية لا تكون إلا في الحالة المذكورة سابقًا.
(3) يجوز للمحرم حك رأسه[2]، فلو سقط منه شـيء من شعره بغير قصد فلا شـيء عليه، وإن كان قاصدًا فيحرم، ولا فدية عليه كما تقدم.