(1) عرض الرجل موليته على الرجل الصالح: يجوز للرجل أن يعرض ابنته أو أخته على أهل الخير والصلاح، بل صـرح بعض الفقهاء باستحباب ذلك، ومن الأدلة على ذلك قول الله عز وجل: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ [القصص:27]، وكذلك ما ثبت في صحيح البخاري، أن عمر بن الخطاب حين تأيـَّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة- فقال عمر ابن الخطاب: «أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شـيئًا، وكنت أَوْجَدَ عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وَجَدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شـيئًا؟ قال: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشـي سـر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها»[1]. قال الحافظ رحمه الله: (وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه، ولو كان متزوجًا؛ لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجًا)[2].
(2) عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح: ويجوز للمرأة أن تعرض نفسها للرجل الصالح، مع مراعاة الضوابط الشـرعية، فإن رغب كل منهما في الآخر تزوجها، مع تحقق شـروط العقد وأركانه[3]؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها؛ قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟..» الحديث[4]. قال الحافظ: (في الحديثين[5] جواز عرض المرأة نفسها على الرجل، وتعريفه رغبتها فيه، وأن لا غضاضة عليها في ذلك)[6].
قلت: وأما إعلان المرأة عن رغبتها في الزواج في الجرائد والمجلات وشبكات الإنترنت، وبث صورتها، وذكر مواصفاتها؛ فذلك يتنافى مع الحياء والحشمة والستر[7]، ويقع بسببه فساد كبير لا يعلمه إلا الله.
(3) الاختيار تابع للمصالح: هناك بعض الاختيارات يرجح فيها المصلحة؛ فمن ذلك أن الأفضل اختيار البكر، إلا أنه قد يكون هناك سبب يستدعي الثيِّب فاختيارها أفضل؛ كأن تكون أرملة لأيتام فينال أجر تربيتهم، وقد يكون جبر خاطر المرأة، وقد يكون قوة دين الثيِّب ورجاء الانتفاع به، أو لمصاهرة صالحين. ومن ذلك رأى بعض العلماء الأفضل اختيار غير القريبات؛ قالوا: لأن ذلك أنجب للولد، وحتى لا تكون قطيعة إذا حدث بينهم جفوة. قال ابن عثيمين رحمه الله: (لكن إذا وجد بين الأقارب من هو أفضل منها للاعتبارات الأخرى، فإنه يكون أفضل، وعند التساوي تكون الأجنبية أولى... فليس في المسألة نص شـرعي يجب الأخذ به، ولذلك يتبع الإنسان ما يراه أكثر تحقيقًا للمصالح)[8].
(4) استحباب الاستخارة في النكاح: يستحب لكل من الخاطب والمخطوبة ومن يهمهم أمرهما الاستخارة، والتوجه إلى الله؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب -يعني بنت جحش- قال رسول الله ﷺ لزيد: «اذكرها عليَّ»، قال زيد: «فانطلقت، فقلت: يا زينب أبشـري؛ أرسلني إليك رسول الله ﷺ يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شـيئًا حتى أستأمر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول اللـه ﷺ فدخل بغير إذن»[9].
(5) وعليهم كذلك البحث والسؤال عن الطرف الآخر، واستشارة النصحاء، وعلى المستشار أن ينصح لمن يستشـيره؛ لقوله ﷺ: «المستشار مؤتمن»[10]، ولا يُخْفِي شـيئًا يحتاج إليه مَنْ يسأله، ولو يذكر عيوبه ومساوئه، والأفضل أن يتلطف في العبارة إن كانت هناك عيوب، ولا يذكر من العيوب إلا ما تمس الحاجة إلى معرفته، حتى لو كان هو الخاطب فليذكر ما يراه عيبًا فيه ليكون الطرف الآخر على بينة، ويقرر الرفض أو الموافقة إن كانت له قدرة على التكيف بذلك. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فرجل ضـرَّاب للنساء»[11].