حجم الخط:

المسألة الثالثة: بعض الألفاظ التي اختلف فيها العلماء

(أ) إذا قال: (وايم الله) ، أو (لعمر الله).

الراجح أن القسم بـ(ايم الله) [1] (معناه: وايمُنُ الله)، وكذلك القسم بعمر الله (يعني: حياته) يمين مطلقًا، تجب فيه الكفارة إذا حنث، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، والحنفية. وأما الشافعية فلم يروه يمينًا إلا إذا نوى اليمين.

قلت: قد ثبتت الأحاديث التي تؤيد ما ذهب إليه الجمهور على الإطلاق:

أما قوله: «وايم الله» فقد ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها؛ منها أن النبي ﷺ قال في قصة المخزومية التي سـرقت: «وايم الله؛ لو أن فاطمة بنت محمد سـرقت لقطع محمد يدها»[2]، فهذا قسم بمعنى: ويمين الله أي: (ما يحلف به).

وأما قوله: (لعمر الله) بمعنى (وحياة الله)، و(بقاء الله) فهو قسم بصفة من صفات الله، وقد ثبت في الحديث في قصة الإفك، وفيه أن أسـيد بن حضـير قال: لعمر الله لنقتلنه[3]؛ يعني عبد الله بن أبي ابن سلول؛ لأنه تكلم في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

(ب) الحلف (بعهد الله):

اختلف العلماء في الحلف «بعهد الله» هل يعد يمينًا أو لا؟ فذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية؛ أنه يمين، وفي وجه عند الشافعية أنه ليس بيمين إلا إذا نواه، ويرى ابن حزم أنه لا يعد يمينًا؛ لأنه حلف بغير الله، والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وذلك لما يلي:

(1) قال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:91]، فنهاهم عن نقض الأيمان بعد أن ذكر عهد الله، فدل ذلك على أن عهد الله من الأيمان.

(2) أن العهد يطلق على اليمين، فكأنه قال: ويمين الله.

(3) وعهد الله يحتمل معنى: كلامه الذي عهد به إلى خلقه، أي كأنه قال: «وكلام الله»، فصح الحلف به كالحلف بالمصحف، فهو صفة من صفاته.

(4) أن العادة التي تعارف عليها الناس الحلف به والتغليظ باستعماله، فصار يمينًا بما تعارف عليه الناس واستعملوه.

(جـ) الحلف (بحق الله):

اتفق المالكية، والحنابلة، والشافعية في الأصح؛ على أن الحلف بحق الله يعد يمينًا مكفَّرة؛ لأن المراد به صفة الله تعالى، فحقوقه التي يستحقها لنفسه؛ من البقاء، والعظمة، والجلال، والعزة، أي فكأنه قال: وبقاء الله، أو: وعظمة الله، أو: وجلال الله، أو: وعزة الله. وأما الحنفية فقد اختلفوا فيها؛ فذهب أبو حنيفة ومحمد وفي رواية عن أبي يوسف أنه ليس بيمين؛ لأن حق الله طاعاته وما افترضه على عباده، فليس بيمين. والرواية الثانية عن أبي يوسف وافق فيها الجمهور، فرأى أن الحلف بحق الله يمين؛ لأن الحق من صفات الله، فكأنه قال: والله الحق، ولأن الحلف به متعارف، فوجب كونه يمينًا. وعلى هذا فالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء.

(د) الحلف (بعلم الله)، و(رحمة الله) و(قدرة الله»، و(عذاب الله).

الراجح: أن الحلف بكل هذا يمين، وهو قول الشافعية والحنابلة، إلا إذا نوى بالعلم: المعلوم، فلا يكون يمينًا، فإن قول القائل: (علم الله) قد يراد به صفة العلم لله عز وجل فيكون يمينًا، وقد يراد به المعلوم فلا يصـير يمينًا، كأن تقول: اللهم اغفر لنا علمك فينا، أي: ما تعلمه.

وكذلك القول في رحمة الله، قد يراد بها الصفة، وقد يراد بها أثر الرحمة؛ كقوله تعالى للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء»[4]؛ يعني الجنة. وهكذا يقال في القدرة والغضب.

(هـ) الحلف (بالأمانة)، أو (بأمانة الله).

ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «من حلف بالأمانة فليس منا»[5].

فعلى هذا يحرم أن يحلف بالأمانة، لكن هل الحلف (بأمانة الله) يمين؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

فظاهر الرواية عند الحنفية، وهو مذهب المالكية والحنابلة؛ أنه يمين باعتبار أن الأمانة المضافة إلى الله صفته.

وذهب الشافعية إلى أنها لا تنعقد يمينًا، إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى؛ لأن الأمانة قد تطلق على الفرائض والودائع والحقوق، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا [الأحزاب:72].

والراجح: ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الإنسان إذا حلف بأمانة الله لا يقصد بذلك الودائع ونحوها. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة