السادسة: تقدير النفقة:
لم يحدد الشـرع تقديرًا للنفقة، وإنما أطلق ذلك حسب يسار الزوج وإعساره؛ كما تقدم في الآية، ومرد ذلك إلى العرف كما تقدم في الحديث: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، فالنفقة لا تقدر بوزن ولا بكيل، وإنما بالكفاية المتعارف عليها مع مراعاة حال الزوج. قال القرطبي رحمه الله: (والنفقة مقدرة بالكفاية، وتختلف باختلاف من تجب عليه النفقة في مقدارها)[1]. وقال ابن تيمية رحمه الله: (وإذا كان الواجب هو الكفاية بالمعروف، فمعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان، وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، وليست كسوة القصـيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسـيمة...)[2].
واعلم أن الحديث لم يخص النفقة على المرأة بنوع ما، بل قال: «ولهن عليكم رزقهن...»، والرزق: يشمل الطعام الكافي من المأكول والمشـروب بالمعروف.
وهل يدخل في ذلك الدواء لعلاجها؟
الراجح: نعم؛ لعموم قوله: «رزقهن»، وهو شامل لذلك، بل يدخل فيه ما أصبح مألوفًا عند الناس. قال صديق حسن خان رحمه الله: (ثم الظاهر من قوله ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»[3] أن ذلك غير مختص بمجرد الطعام والشـراب، بل يعم جميع ما يحتاج إليه، فيدخل تحته الفضلات التي قد صارت بالاستمرار مألوفة بحيث يحصل التضـرر بمفارقتها، أو التضجر أو التكدر، ويختلف ذلك بالأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال، ويدخل فيها الأدوية ونحوها)[4].
قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها؛ لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة؛ وجب لها خادم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، ومن العشـرة بالمعروف أن يقيم لها خادمًا)، ثم قال: (إذا ثبت هذا، فلا يكون الخادم إلا ممن يحل له النظر إليها؛ إما امرأة، وإما ذو رحم محرم؛ لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله فلا يسلم من النظر)[5].
قلت: وكذلك يجب عليه السكنى بما يناسبها بالمعروف، وما تحتاج إليه من الفراش حسب العرف، لا يسكنها في سكن يحصل منه ضـرر مع جيران أو أحماء أو ضـرة. قال الشـيخ محمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (والسكنى من كفايتها، فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبه الله عز وجل مقرونًا بالنفقة، وإذا وجب حقًّا لها؛ فليس له أن يشـرك غيرها فيه، إلا أن ترضـى بذلك، فإن تضـررت من السكنى مع ضـرتها أو أحمائها، أو كانوا يؤذونها، فعليه أن يسكنها في منزل منفرد ملائم لحاله يسارًا وإعسارًا، والله تعالى أعلم)[6].