أولاً: ما يشترط في صـيغة العقد:
حدَّد بعض الفقهاء لعقد البيع صـيغًا وألفاظًا مخصوصة للإيجاب والقبول؛ كأن يكون الإيجاب والقبول بصـيغة الماضـي، وأن يكون بلفظ البيع، والحقيقة أنه لا دليل على ذلك، بل المعتبر فيه حصول التراضـي؛ سواء كان ذلك بلفظ الإيجاب والقبول، أو بالمعاطاة التي تدل على التراضـي، وسواء كان ذلك بقرينة الإشارة أو الكتابة أو نحو ذلك، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء:29]، وقول النبي ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس»[1].
فمتى حصل هذا التراضـي بأي صفة كانت فقد حصل المراد، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جميع العقود[2]، ورجَّحه ابن عثيمين رحمه الله[3].
قلت: مما يدل على ذلك ما قاله ابن قدامة رحمه الله: (إن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف... ولم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه -مع كثرة وقوع البيع بينهم- استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلًا شائعًا... ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضـي، فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي، قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التعبد فيه)[4].
الإيجاب والقبول وما يقوم مقامهما:
(1) معنى المعاطاة: المبادلة الفعلية الدالة على التراضـي (بدون ذكر صـيغة بينهما)؛ مثل شـراء الخبز ونحوه من السلع؛ فيعطي المشتري النقود ويأخذ السلعة.
(2) قد تكون المعاطاة مع آلة صماء؛ كمن يضع مبلغًا في جهاز فيخرج له الجهاز زجاجة شـراب مباحة أو تذكرة سفر أو غير ذلك، فالبيع صحيح أيضًا.
(3) هل تصح العقود عن طريق آلات الاتصال الحديثة؟
الجواب: قرر المجمع الفقهي[5] أن العقود التي تتم عن طريق البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) أو عن طريق السفارات، قرر المجمع صحة العقد وانعقاده عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه (يعني عند وصول صـيغة العقد من أحد الطرفين للآخر)، وقبوله من الطرف الآخر، واستثنوا من ذلك عقود النكاح؛ لاشتراط الإشهاد، واستثنوا كذلك الصـرف (الصـرافة)؛ لاشتراط التقابض في نفس المجلس، وكذلك (بيع السلم) لاشتراط تعجيل رأس المال[6].
(4) يعد عرض البضائع في معارض الباعة مع بيان ثمنها عليها إيجابًا، والموافقة على شـرائها قبولًا.
(5) ويدخل في ذلك أيضًا الاكتتاب في أسهم الشـركات المساهمة؛ حيث تعد نشـرة الإصدار إيجابًا، وموافقة الجهة الأخرى قبولًا.