أولاً: قتله:
سواء كان المرتد رجلًا أو امرأة؛ وذلك إذا لم يتب، وثبتت ردته بإقراره أو بشهادة عدلين.
ودليل قتله قوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه»[1]، وقوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[2].
وعن معاذ رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: «أيما رجل ارتد عن الإسلام، فادْعُه، فإن عاد وإلا فاضـرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام، فادعها، فإن عادت وإلا فاضـرب عنقها»[3]، واعلم أن قتله إلى الإمام وليس لآحاد الناس، إلا إن لحق بدار الحرب فلكل واحد قتله وأخذ ما معه.
ثانيًا: استتابته قبل القتل:
اختلف العلماء في استتابة المرتد قبل قتله، أو عدم استتابته، فيرى بعضهم وجوب الاستتابة، واستدلوا على ذلك بفعل بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ فعن قابوس بن مخارق أن محمد ابن أبي بكر كتب إلى علي يسأله عن مسلمين تزندقا؟ فكتب إليه علي: «أما اللذين تزندقا، فإن تابا، وإلا فاضـرب عنقهما»[4].
وثبت ذلك عن عمر وعثمان، كما أورد ذلك الخلال في (أحكام أهل الملل) بأسانيد صحيحة، وثبت عن أبي موسـى رضي الله عنه[5].
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وجوب استتابته؛ لما ثبت أن معاذًا لما ذهب إلى اليمن، إذا برجل موثق، قال: ما هذا؟ قالوا: كان يهوديًّا، فأسلم ثم تهود، قال أبو موسـى لمعاذ: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله، فأمر به فقتل[6]، ولعموم الأحاديث: «من بدل دينه فاقتلوه» ولم يذكر استتابة.
وهناك أقوال أخرى، والراجح أن ذلك يرجع إلى ما يراه الإمام مصلحة، فإن رأى أن المصلحة أن يمهل ويستتاب فذاك، وإلا قتله.
ولكن كيف يتوب المرتد؟
الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أن توبة المرتد تكون بالنطق بالشهادتين؛ لقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني دمه وماله إلا بحقها وحسابه على الله»[7].
ولا بد للمرتد أن يتوب مما كان سببًا في ردته؛ بأن يقر بما أنكره، أو يتبرأ مما اعتقده مخالفًا لعقيدة الإسلام، ونحو ذلك.
ثالثًا: توبة من تكررت ردته والزنديق:
(1) من تكررت ردته فالراجح قبول توبته في كل مرة؛ للحديث السابق، ولقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال:38].
(2) وكذلك الحكم في توبة الزنديق (وهو الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر) إن تاب قبلت توبته؛ لأن النبي ﷺ قبل توبة المنافقين الذين دخلوا في الإسلام، ولأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء:145، 146].
هذا وقد خالف المالكية مذهب الجمهور؛ فذهبوا إلى عدم قبول توبة من تكررت ردته، وتوبة الزنديق، واستدلوا بأدلة لا تنهض لمقاومة أدلة الجمهور، وأحسن ما استدلوا به أثر ابن مسعود أنه قتل رجلًا يقال له ابن النواحة بعد ما تركه، ثم عاد للردة[8]. ولكن أقصـى ما يستفاد من هذا الأثر أن على الإمام أن يتيقن من صحة توبته، فإن ظهر كذبه فيها قتله، والله أعلم.
رابعًا: حكم أموال المرتد:
(1) إذا أسلم المرتد، فلا خلاف بين العلماء أن ماله يظل على ملكه.
(2) وإذا لحق بدار الحرب، أو مات في الردة، أو قتل؛ فلا خلاف أن أمواله تزول عنه، لكنهم اختلفوا متى يزول عنه المِلك؟ هل يزول بمجرد الردة، أو بحدوث القتل أو الموت، أو لحوقه بدار الكفار؟ فيرى جمهور العلماء أن المال يحجر عليه إذا ارتد حتى يستبين أمره، فإن عاد ردت إليه أمواله، وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الكفار زال الملك عن ماله بمجرد ردته، وعند الحنابلة والصاحبين من الحنفية يزول الملك عند وجود هذه الأمور لا بمجرد ردته، ويترتب على هذا الخلاف صحة أو بطلان تصـرفات المرتد في هذه المدة؛ من بيع وهبة ووقف ونحو ذلك.
ميراث المرتد: إذا مات المرتد أو قتل، فإنه يُبدأ بقضاء دينه، وضمان جنايته، ونفقة زوجته وقريبه؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها. وما بقي من المال يكون فيئًا للمسلمين في بيت المال، وهذا مذهب الجمهور؛ من المالكية والشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية الذين يرون جواز التوارث للمال الذي اكتسبه في إسلامه، وأما ما اكتسبه وقت ردته فإنه يكون فيئًا للمسلمين، وذهب الصاحبان من الحنفية إلى توارث جميع المال؛ سواء كان قبل ردته أو بعدها.
والقول الأول هو الأرجح؛ لقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر».
واعلم أن المرتد لا يرث أحدًا من أقاربه المسلمين؛ لقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»[9].
خامسًا: الردة والعلاقة الزوجية:
إذا ارتد أحد الزوجين وجبت الفرقة بينهما، وهل هذه الفرقة تكون فسخًا للنكاح، أو تكون طلاقًا؟ فيه خلاف بين العلماء:
فعند الحنفية أنها فسخ للنكاح؛ سواء دخل بها أو لم يدخل بها، فإن كان هو المرتد فلها نصف المهر إذا كان قبل الدخول، ولها المهر كاملًا إن كان بعد الدخول، وإن كانت هي المرتدة فلا شـيء لها إن كان قبل الدخول، ولها المهر كاملًا إن كان بعد الدخول.
وعند المالكية أنه طلاق بائن لا ترجع إليه إلا بعقد ومهر جديدين.
وعند الشافعية: الفرقة لا تقع إلا بعد انقضاء العدة، فإذا انقضت كان ذلك فسخًا للنكاح، وإن عاد للإسلام قبل انقضاء العدة فهي امرأته.
وعند الحنابلة ينفسخ النكاح إذا كان قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول فيرى بعضهم الفسخ مباشـرة، ويرى بعضهم أنه لا يفسخ النكاح إلا بعد انقضاء العدة كالشافعية.
تنبيه: هناك مسائل أخرى تتعلق بتصـرفات المرتد، وأثر الردة في أعماله، يمكن الرجوع إليها في المطولات، والله أعلم.