(2) تحريم بيع الخمر:
والخمر: كل ما خامر العقل، وهو محرَّم بأدلة القرآن والسنة والإجماع، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، مهما اختلفت أسماؤه، ويدخل في ذلك (البيرة).
وقد روي النهي عن كل «مسكر ومفتِّر»[1]، فيدخل في ذلك المخدرات والأفيون والحشـيش ونحوها. قال الخطابي رحمه الله: («المفتر»: كل شـراب يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهو مقدمة السكر، نهى عن شـرابه لئلا يكون ذريعة إلى السكر. والله أعلم)[2].
قال النووي رحمه الله: (بيع الخمر باطل؛ سواء باعها مسلم أو ذِمِّيٌّ أو تبايعها ذِمِّيان، أو وكل المسلم ذميًّا في شـرائها له، فكله باطل بلا خلاف عندنا)[3].
ويتفرع على تحريم الخمر ما يلي:
(أ) هل يجوز اتخاذ الخمر خلًّا؟
الجواب: ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «سئل عن الخمر تتخذ خلًّا؟ فقال: لا»[4].
قال القرطبي رحمه الله: (ذهب جهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد.. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر، ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي، أو غيرها)[5].
قلت: ولا يعني -على قول الجمهور- ذلك تحريم (الخل) المصنوع من غير تخمير؛ فقد ثبت في الحديث قوله ﷺ: «نعم الإدام الخل»[6]، فلو صنع الخل دون أن يمر بمرحلة التخمير فإنه جائز، وإنما الكلام في الذي تخمَّر أولًا ثم تخلل.
تنبيه: ذكر لي بعض طلاب العلم أن الخل الأبيض الموجود الآن لا يمر بالتخمير، بل هو يعالج بالهدرجة فيفصل الخل مباشـرة، فهذا إن ثبت يدل على جواز هذا الخل بيعًا وشـراء وطعامًا بلا خلاف.
(ب) جاء في فتاوى المجمع الفقهي: يجوز استعمال الأدوية المشتملة على كحول بنسب مستهلكة تقتضـيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشـرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية[7].
(جـ) يحرم الاتجار في (الدخان) بجميع أنواعه، بيعًا وشـراءً، فضلًا عن تحريم تعاطيه، كما يحرم العمل في شـركات الدخان بأي نوع من أنواع العمل، حتى ولو كان لا يباشـر صناعتها بنفسه؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة:3].
(د) العطور الكحولية (البارفنات) ونحوها، إذا كانت نسبة الكحول فيها كبيرة، فلا يجوز تصنيعها أو استعمالها، وأما إذا كانت بنسب ضئيلة مستهلكة، فهي جائزة[8]. ونسب إلى بعض المعاصـرين أن الكحولات المستخدمة في هذه البارفنات إنما هي كحولات مركبة، وهي تختلف عن الكحولات المسكرة، وعلى هذا فيجوز استعمال هذه البارفنات، وهذا كلام معتبر إن صح.
(هـ) لا يجوز بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، ولا العمل في الأماكن التي تُقَدَّم فيها الخمور؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمر، وشاربها، وعاصـرها، ومعتصـرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها»[9].