تتمة:
1- الواقع في استعمالات النقاد وتطبيقاتهم أن الحديث باعتبار وصوله إلينا قسمان فقط: غريب =فرد، ومشهور =معروف.
فالغريب: ما رواه شخص واحد.
والمشهور: ما خرج عن حد الغرابة؛ فإذا خرج الحديث عن حد الغرابة فرواه اثنان فأكثر =فهذه رواية مشهورة معروفة.
وقد نبه الذهبي رحمه الله إلى أن القسمة ثنائية وليست ثلاثية، فقال في تعريف الغريب: (الغريب: ضِدُّ المشهور)[1].
ومن ذلك قول ابن أبي حاتم رحمه الله: (سألتُ أبا زُرْعَةَ: ما حال معاوية بن عبد الله؟ قال: لا بأس بِه؛ كتبنا عنه بِالبصرة، أخرج إلينا جزءًا عن عائشة، فانْتَخَبْتُ منه أحاديث غَرائِبَ، وتركتُ المشاهيرَ)[2].
وقال الإمام البزار رحمه الله: (ولا نعلم روى سِماك بن حصين عن الحسن البصـري عن عمران بن حصين إلا حديثين؛ هذا أحدهما وهو غريب، والآخر مشهور)[3].
2- الغريب (الفرد) والمشهور (المعروف) بهذا الاعتبار ليْسَا مجرد أوصاف للرواية، وإنما هما وصفان متضمِّنان الحكم عليها في كثير من الأحوال، وإن لم يكن جميعها.
فالأصل أن التفرد من مظنة النكارة والرَّد -لاسيما إذا انضاف إليه المخالفة- ولكنه ليس شرطًا للضعف؛ فكم من حديث تفرد به راويه ومع ذلك قبله العلماء واحتجوا به؛ قال الإمام الذهبي رحمه الله: (والغريبُ صادقٌ على ما صَحَّ، وعلى ما لم يصحّ)[4].
وقال الإمام ابن الصلاح: (الغريب ينقسم إلى: صحيح؛ كالأفراد المخرجة في الصحيح، وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغريب)[5].
3- وأما العزيز: فيرد إطلاقه في كلام الأئمة وصفًا للرَّاوي وللرِّواية، ويُراد به في الأعم الأغلب معناه اللغوي: (القلة والندرة)، وليس: رواية اثنين عن اثنين.
فيقال: (هذا حديث عزيز) على معنى: أنه لا يوجد إلا عند قلة من الرواة قد تصل إلى درجة التفرد بالرواية.
ومن ذلك قول المزي رحمه الله في حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاثٍ...»: (حَدِيثٌ عَزِيزٌ من أفراد الصحيح؛ لا نعرفه إلا من رواية مروان بن شُجَاع الجزري)[6].
ويقال: (فلان عزيز الحديث)، على معنى: ندرة أحاديث الراوي وقلتها.
قال ابن عدي رحمه الله في ترجمة إسماعيل بن نشيط العامري: (عزيز الحديث جدًا، ولا يروي من الحديث إلا القليل)[7].
وقال الحاكم رحمه الله: (سليم مولى الشعبي عزيز الحديث؛ أسند نحو خمسة)[8].
4- وأما المتواتر: فيقع استعماله لدى المحدثين بمعناه اللغوي، وهو التتابع والتعدد والكثرة والاشتهار، وليس المتواتر بتعريفه وشروطه عند الأصوليين؛ فهو أشبه ما يكون بالمشهور الذي خرج عن حد الغرابة، وليس قَسِيمًا للآحاد، كما هو المعمول به عند الفقهاء والأصوليين[9].
ومن ذلك قول الطحاوي رحمه الله: (وقد تَوَاترت هذه الآثارُ عن رسول الله ﷺ أَنَّه كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ)[10].