2- الاستيطــان الدائم في بلاد الكفار:
فلا يجوز للمسلم الانتقـــال إلى بلاد الكفار[1]، للاستيطـــان فيها[2]، ولا يجوز له التجنـــس بجنسيتها[3]، ولو كان يستطيع إظهار شعائر دينه فيها إلا في حال الضرورة[4]، لقول جرير بن عبدالله رضي الله عنه: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وعلى مفارقة المشرك[5]، ولما ثبت عن معاوية بن حيدة القشيري -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم حين أتيته فقلت: والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء أن لا آتيك ولا آتي دينك، وجمع بهز بين كفيه، وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بم بعثك الله إلينا؟ قال: "بالإسلام". قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: أن تقول: "أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملا، وتفارق المشركين إلى المسلمين"[6].
وإذا أسلم الكافر وبلده بلد كفر فإن كان لا يستطيع إظهار شعائر دينه ويستطيع الهجرة وجبت عليه الهجرة إلى بلد من بلاد المسلمين بإجماع أهل العلم[7]، ولا يجوز له البقاء في هذا البلد إلا في حال الضرورة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿ ٩٧ ﴾ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿ ٩٨ ﴾ ﴾ [النساء: 97، 98][8].
أما إن كان المسلم يستطيع إظهار شعائر دينه من توحيد وصلاة وتعلُّم لأحكام الإسلام وتمسك بالحجاب للمرأة وغيرها فالهجرة إلى بلاد المسلمين مستحبة في حقه حينئذ، ويجوز له أن يبقى في بلده الأول، فقد روى أبوسعيد الخدري أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فقال: «إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فهل تؤتي صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً». متفق عليه[9].
وقد يُستحب له البقاء في بلده الأول إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، كالدعوة إلى الإسلام، ونحو ذلك[10].