حجم الخط:

محبة الله والأسباب الجالبة لها

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله الذي جعلَ حبَّه أشرفَ المكاسِب، وأعظمَ المواهِب، أحمده سبحانه وأشكرُه على نعمة المطاعِم والمشارِب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المُنزَّه عن النقائِص والمعايِب، خلقَ الإنسانَ من ماءٍ دافِقٍ يخرجُ من بين الصُّلب والترائِب، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه الداعِي إلى أعلى المراتب، صلَّى الله عليه وعلى آله ومن سار على نهجه من تابعٍ وصاحب.

أما بعد:

فأُوصِيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي سبيلُ النجاة والفلاح، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

عباد الله: محبَّةُ الله من لوازِم الإيمان، ولا يتمُّ التوحيدُ حتى تكتملَ محبَّةُ العبد لربِّه، والمحبَّةُ لا تُحدُّ بحدٍّ أوضحَ منها، ولا تُوصَفُ بوصفٍ أظهرَ منها، وليس هناك شيءٌ يُحبُّ لذاتِه من كل وجهٍ إلا اللهُ سبحانه الذي لا تصلحُ الألوهيةُ والعبوديَّةُ والذلُّ والخُضوعُ والمحبَّةُ التامَّةُ إلا له سبحانه .

محبَّةُ الربِّ سبحانه شأنُها غيرُ الشأن؛ فإنه لا شيءَ أحبُّ إلى القلوبِ من خالقِها وفاطِرها، فهو إلهُها ومعبُودُها ووليُّها ومولاها وربُّها ومُدبِّرُها ورازِقُها ومُميتُها ومُحيِيها؛ فمحبَّتُه نعيمُ النفوس، وحياةُ الأرواح، وسُرورُ النفس، وقُوتُ القلوب، ونورُ العقول، وقُرَّةُ العيون، وعمارةُ الباطن.

فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكِية أجملُ ولا ألذّ ولا أطيَبُ ولا أسرُّ ولا أنعمُ من محبَّة الله والأنسِ به، والشوق إلى لقائِه.

قال يحيى بن مُعاذ: (عفوُه يستغرِقُ الذنوبَ؛ فكيف رِضوانُه؟ ورِضوانُه يستغرِقُ الآمال؛ فكيف حُبُّه؟ وحبُّه يُدهِشُ العقول؛ فكيف ودُّه؟ وودُّه يُنسِي ما دُونَه؛ فكيف لُطفُه؟).

وبمِقدار ما يستكثِرُ المرءُ من حبِّ الله بمِقدار ما يشعُر بلذَّة الإيمان وحلاوتِه، ومن غمرَ قلبَه بمحبَّة الله أغناه ذلك عن محبَّة غيره وخشيتِه والتوكُّل عليه؛ فلا يُغنِي القلب ولا يسُدُّ خلَّتَه، ولا يُشبِعُ جوعتَه إلا محبَّتُه سبحانه .

ولو حصلَ له كلُّ ما يلتذُّ به لم يأنَس ولم يطمئِنّ إلا بمحبَّة الله عز وجل، وإذا فقدَها القلبُ كان ألمُه أعظمَ من ألَم العين إذا فقدَت نورَها، والأُذن إذا فقدَت سمعَها، والأنف إذا فقدَ شمَّه، واللسان إذا فقدَ نُطقَه؛ بل فسادُ القلب إذا خلا من محبَّة فاطِره وبارِئِه وإلهِه الحق أعظمُ من فساد البدَن إذا فقدَ الروح.

حقيقةُ المحبَّة: أن تهبَ كلَّك لمن أحبَبتَه حتى لا يبقَى لك منه شيءٌ، وتسبِقَ محبَّةُ الله جميعَ المحابِّ وتغلِبَها، وتكون سائرُ محابِّ العبد تبَعًا لهذه المحبَّة التي بها سعادةُ العبد وفلاحُه.

يتفاوَتُ المُحِبُّون في قدر المحبَّة؛ لأن الله تعالى وصفَ المؤمنين بشدَّة الحُبِّ له، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

وفي قوله: أَشَدُّ دليلٌ على تفاوُتهم في المحبَّة؛ لأن المعنى: أشدُّ فأشدُّ.

محبَّةُ الله: إيثارُه لمحبوباتِه على نفسِك وروحك ومالِك، ثم مُوافقتُك له سرًّا وجهرًا، ثم علمُك بتقصيرِك في حبِّه؛ أي: أن يكون كلُّك بالمحبوب مشغولًا، ونفسُك له مبذُولة، مع سفر القلب في طلب المحبوب، ولهَج اللسان بذِكره على الدوام، وقد قال نبيُّنا ﷺ: «وأسألُك حبَّك، وحبَّ من يُحبُّك، وحبَّ عملٍ يُقرِّبُ إلى حُبِّك»[1].

المحبَّةُ إذا اشتدَّت وعظُمَت عند صاحبِها وارتقَت فإنها تُصبِحُ ولهًا، والوَلَهُ هو شدَّةُ المحبَّة، والتألُّه لله تبارك وتعالى هو شدَّةُ محبَّة الله، ومحبَّةُ ما جاء من عند الله تبارك وتعالى، وحاجتُهم إلى التألّه أعظمُ من حاجتِهم إلى الغِذاء؛ فإن الغِذاءَ إذا فُقِد يفسُد الجسمُ، وبفقدِ التألُّه تفسُد النفسُ.

المؤمنُ إذا عرفَ ربَّه أحبَّه، وإذا أحبَّه أقبلَ إليه، وإذا وجدَ حلاوةَ الإقبال إليه لم ينظُر إلى الدنيا بعينِ الشهوة، ولم ينظُر إلى الآخرة بعين الفترة.

حبُّ الله يحمِلُ المرءَ على فعل الواجِبات وتركِ المُحرَّمات، ويحمِلُ العبدَ على فعل المُستحبَّات، وينهَاهُ عن المكرُوهات.

حبُّ الله يملاُ القلبَ بلذَّة الإيمان وحلاوتِه، «ذاقَ طعمَ الإيمان من رضِيَ بالله ربًّا، وبالسلام دينًا، وبمُحمَّدٍ رسولًا».[2]

محبَّةُ الله تُخرِجُ من القلب محبَّةَ كلَّ ما يكرهُه الله، وتنبعِثُ الجوارِحُ بمحبَّة الله إلى الطاعات، وتغدُو النفسُ مُطمئنَّة، وفي الحديث القُدسي: «.. فإذا أحبَبتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشِي بها».[3]

المُحبُّ يجِدُ من لذَّة المحبَّة ما يُنسِيه المصائِب، ولا يجِد من مسِّها ما يجِدُ غيرُه. محبَّةُ الله من أقوَى الأسباب في الصبر عن مُخالَفتِه ومعاصِيه؛ فإن المُحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ.

وكلما قوِيَ سُلطانُ المحبَّة في القلب كان اقتِضاؤُه للطاعة وترك المُخالفة أقوى، وإنما تصدُرُ المعصيةُ والمُخالفةُ من ضعفِ المحبَّة وسُلطانها.

والمُحبُّ الصادقُ عليه رقيبٌ من محبوبِه يرعَى قلبَه وجوارِحَه، والمحبَّةُ المُجرَّدة لا تُوجِبُ هذا الأثرَ ما لم تقترِن بإجلال المحبوب وتعظيمِه، فإذا قارنَها الإجلالُ والتعظيمُ أوجبَت هذا الحياءَ والطاعةَ، وإلا فالمحبَّةُ الخاليةُ عنهما إنما تُوجِبُ نوعَ أُنسٍ وانبِساطٍ وتذكيرٍ واشتِياقٍ، ولهذا يتخلَّفُ أثرُها ومُوجَبُها، ويُفتِّشُ العبدُ قلبَه فيرَى نوعَ محبَّةٍ لله، ولكن لا تحمِلُه على ترك معاصِيه.

وسببُ ذلك: تجرُّدُها عن الإجلالِ والتعظيمِ، فما عمرَ القلبَ شيءٌ كالمحبَّة المُقترِنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهِب الله للعبد - أو أفضلُها -، وذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاء.

وإذا تجرَّدَت المحبَّةُ عن الخضوعِ والذلِّ أصبحَت المحبَّةُ دعوَى لا قيمة لها، وهذا حالُ من ادَّعَى محبَّةَ الله، ولكنه لم يأتمِر بأمر الله، ولم يخضَع لسُنَّة محمدٍ ﷺ، ولم يُحكِّمها في أقوالِه وأعمالِه وعباداته.

ولا يحبُّ الله ولا يدَّعِي محبَّتَه أحدٌ لا يُتابِعُ رسولَ الله ﷺ، ولهذا قالت اليهودُ والنصارى كما حكَى الله عنهم بقوله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18].

فالدعوَى المُجرَّدةُ كلٌّ يدَّعِيها، وقضَى الله على الدعاوَى، وبيَّن الحقيقةَ من الزَّيف بقوله سبحانه : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

ومن علامة محبَّة الله: محبَّةُ أهل طاعته، ومُوالاةُ أوليائِه، ومُعاداة أهل معصيته، ومُجاهدةُ أدائِه، ونصرُ أنصارِه، وكلما قوِيَت محبَّةُ العبد لله في قلبِه قوِيَت هذه الأعمال.

وهنا يجدُرُ بنا أن نعرِفَ الأسبابَ الجالِبَةَ لمحبَّةِ الله، ومنها: معرفةُ نعم الله على عباده التي لا تُعدُّ ولا تُحصَـى، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77].

ومن الأسباب:

معرفةُ الله تعالى بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه؛ فمن عرفَ اللهَ أحبَّه، ومن أحبَّ اللهَ أطاعَه، ومن أطاعَ الله أكرمَه، ومن أكرمَه الله أسكنَه في جِوارِه، ومن أسكنَه الله في جِوارِه فطُوبَى له.

ومن أعظم الأسباب:

التفكُّرُ في ملكوت السماوات والأرض وما خلقَ الله من شيءٍ من الآيات الدالَّة على عظمته وقُدرته وجلالِه وكمالِه وكِبريائِه ورأفتِه ورحمتِه ولُطفِه، إلى غير ذلك من أسماء الله الحُسنى وصفاتِه، فكلما قوِيَت معرفةُ العبد بالله قوِيَت محبَّتُه له ومحبَّتُه لطاعته.

ومن الأسباب الجالِبة لمحبَّة الله عز وجل: مُعاملةُ الله بالصدقِ والإخلاص، ومُخالفةُ الهوى؛ فإن ذلك سببٌ لفضل الله على عبدِه وأن يمنحَه محبَّتَه.

ومن أعظم ما تُستجلَبُ به المحبَّة: كثرةُ ذكرِ الله؛ فمن أحبَّ شيئًا أكثرَ من ذِكرِه، قال الله تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي نصرَ عبادَه بصالح الدعوات، أحمدُه سبحانه وأشكرُه وأيُّ المُكرَمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ البريَّات، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه المُؤيَّدُ بالمُعجِزات، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين.

أما بعد:

فأُوصِيكم ونفسـي بتقوى الله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

وها هنا - إخوة الإسلام - أربعةُ أنواعٍ من المحبَّة يجبُ التفريقُ بينها:

الأول: محبَّةُ الله، ولا تكفِي وحدَها في النجاة من عذابِ الله والفوزِ بثوابِه؛ فإن المُشرِكين وعُبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يُحبُّون الله.

الثاني: محبَّةُ ما يُحبُّ الله، وهذه هي التي تُدخِلُ في الإسلام وتُخرِجُ من الكفر، وأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبَّة وأشدُّهم فيها.

الثالث: الحبُّ في الله ولله، وهي من لوازِم محبَّة ما يُحبُّ، ولا تستقيمُ محبَّةُ ما يُحبُّ إلا فيه ولَه.

الرابع: المحبَّةُ مع الله، وهي المحبَّةُ الشركيَّةُ، وكلُّ من أحبَّ شيئًا مع الله لا لله ولا من أجلِه ولا فيه فقد اتَّخَذَه ندًّا من دون الله، وهذه هي محبَّةُ المُشرِكين، ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

عباد الله: استشعروا محبة الله في قلوبكم، واغرسوها في قلوب أبنائكم وبناتكم وأهليكم، ذكّروهم بنعم الله تعالى، نعمة الصحة والعافية، والأمن والكفاية، من أوى إلى بيته ذكر نعمة ربه، ومن نظر ببصره ذكر نعمة ربه، ومن شرب حتى ارتوى ذكر نعمة ربه، اجعلوا من جلساتكم وراحتكم واجتماعاتكم فرصة لغرس محبة الله تعالى بالتذكير بنعمته وستره وكرمه.

أيها الناس: تذكّروا أن الله يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المنفقين، ويحب المخلصين، ويحب الصابرين، ويحب الصادقين، ويحب أهل العفو والحلم، وأهل البر والصلة، ويحب مكارم الأخلاق ومعالي الآداب، ويكره سفاسف الأمور وأراذل الأخلاق، ويبغض الطعان واللعان والفاحش البذيء، ولا يحب الظالمين، والمعتدين، والمفسدين، والمتكبرين..

نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى..

ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسولِ الهُدى؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / عبد الباري الثبيتي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة