قيمة الوقت بين الواقع والمأمول
الحمدُ لله، الحمدُ لله طاعتُه أفضلُ مُكتَسَب، وتقوَاه أعلَى نَسَب، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، لا مانِعَ لما أعطَى، ولا مُعطيَ لما سَلَب، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجُو بها النَّجاةَ، يوم الشدائد والكُرَب.
وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، النبيُّ المُنتَجَب، والرسولُ المُنتَخَب، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى أصحابه حازُوا أعلى المقامات وعالِيَ الرُتَب، والتّابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا، ما أضاء شِهاب ونجمٌ غرَب.
أما بعد:
فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله-، ألا تطمعون في اللحاق بالصالحين؟! ألا تتسابقون في الخيرات مع المُتسابقين؟! كم بين الساعي والقاعد والراغب والزاهد؟! السابقون السابقون شغلَهم حبُّ مولاهم عن ملذَّات دنياهم، والمُتنافِسون المُتنافِسون دموعُهم على وَجَنَاتِهم تتدفَّق، يشتاقون إلى الحبيب، والحبيبُ إليهم أشوق، ما أبهى منظرهم في ظُلمات الدُّجَى ونورُهم قد أشرق، تعرفهم بسيماهم وللصدق نورَق.
أيها الناس: لقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر.
كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ﴿١﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴾ [الليل:1-2]، ﴿ وَالْفَجْرِ ﴿١﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر:1-2]، ﴿ وَالضُّحَىٰ ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ ﴾ [الضحى:1-2]، ﴿ وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر:1-2]. ومعروف أن الله إذا أقسم بشـيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته.
وجاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله قال: «لنْ تَزُولَ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ؟ وعَنْ شَبابِه فيمَ أَبْلاهُ؟ وعَنْ َمالِهِ من أين اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ؟ وعَنْ علمِهِ ماذا عمِلَ فيهِ»[1]. وأخبر النبي أن الوقت نعمة من نعم الله على خلقه ولابد للعبد من شكر النعمة وإلا سُلبت وذهبت. وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطاعات، واستثمارها في الباقيات الصالحات، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»[2] ومعنى قوله ﷺ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ [الحج:18] أيْ الذي يُوَفَّقُ لذلك قليلٌ فقد يكون الإنسانُ صحيحًا، ولا يكون متفرِّغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا، ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا - الصحةُ والفراغُ - فغَلَبَ على الإنسان الكسلُ عن الطاعة فهو المغبونُ، والغبنُ أنْ تشتريَ بأضعافِ الثمنِ، وأنْ تبيعَ بأقَلّ مِن ثمنِ المِثْلِ.
فالآيات والأحاديث تشير إلى أهمية الوقت في حياة المسلم؛ لذلك فلابد من الحفاظ عليه وعدم تضييعه في أعمال قد تجلب لنا الشـر وتبعدنا عن طريق الخير، فالوقت يمضـي ولا يعود مرة أخرى.
إن الإنسان إذا عرف قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته، وهذا شيء بديهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصًا على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله يبين هذه الحقيقة بقوله: (وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته…. فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته).
ويقول ابن الجوزي: (ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل).
إن الوقت أغلى من المال لأن الإنسانُ حينما يَحرقُ مبلغًا كبيرًا مِنَ المال يُحكَم عليه بالسَّفَهِ، ويُحْجَر على تصرفاتِه، ولأنه مركَّبٌ في أعماقِ الإنسانِ أنّ الوقتَ أثمنُ مِنَ المالِ، بدليلِ أنه يبيعُ بيتَه الذي يسكنُه ولا يملكُ شيئًا سِوَاهُ ليُجريَ بثمنِه عمليةً جراحيةً، متوهِّمًا أنّها تزيدُ في حياتِه سنواتٍ عدةً، فالوقتُ عندَ كلّ إنسانٍ أثمنُ مِنَ المال، وبناءً على هذه المُسَلَّمَةِ فإنّ الذي يُتلفُ وقتَه أشدُّ سَفَهًا مِنَ الذي يُتْلِفُ مالَه.
قال الحسن البصري: (يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك). وقال: (يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك). وقال: (الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدًا فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه).
لذلك كانوا لا يندمون إلا على فوات الوقت الذي لم يرفعهم درجة، قال ابن مسعود: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي».
وقال ابن القيم: (إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها).
وقال السـري بن المفلس: (إن اغتممت بما ينقص من مالك، فابكِ على ما ينقص من عمرك).
أحبتي في الله: هذه قيمة الوقت وأهميته فعلينا أن نستغل الأوقات وأن نجعل حياتنا كلها لله، فلا نضيع من أوقاتنا ما نتحسـر عليه يوم القيامة، فالوقت سريع الانقضاء فهو يمر مر السحاب.
أيها المسلمون: لقد حرص السلف الصالح علي وقتهم بما يعجز عنه الوصف والتعبير، وصفهم الحسن البصري رحمه الله بقوله: أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم.
ونقل عن عامر بن قيس من التابعين: (أن رجلًا قال له: تعال أكلمك، قال: أمسك الشمس)، يعني أوقفها لي واحبسها عن المسير لأكلمك، فإن الزمن سريع المضي لا يعود بعد مروره، فخسارته لا يمكن تعويضها واستدراكها.
قيل لسفيانَ الثوري: اجلس معنا نتحدث. قال: (كيف نتحدثُ والنهارُ يعملُ عملَه، ما طلعت الشمسُ إلا كانت شاهدةً على العبادِ فيما فعلوا؟!!).
قال ابن عقيل رحمه الله: (إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حالة راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره)[3].
فانظر كيف يستغل وقت طعامه وراحته في إعمال فكره فيسطره بعد قضاء حوائجه الشخصية؟!!!
ويقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما» وقال بعضهم: (من أمضى يومًا من عمره في غير حقٍ قضاه، أو فرض أداه، أو مجدٍ أصله، أو حمد حصله، أو خيرٍ أسسه، أو علمٍ اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه).
فكم نضيع من أوقاتنا بلا فائدة في ديننا أو دنيانا، ومن أقوال الفاروق رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. وقال الشافعي رحمه الله: (صحبتُ الصوفية فما انتفعتُ منهم إلا بكلمتين، سمعتهم يقولون: الوقتُ سيفٌ، فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسُك إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بالباطل).
حتى إن ساعات الأكل لقوام حياتهم ومعاشهم كانت ثقيلة عليهم، فقد سألوا الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله: ما هي أثقل الساعات عليك؟ قال: (ساعة آكل فيها). وكَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ يَشْرَبُ الْفَتِيتَ وَلَا يَأْكُلُ الْـخُبْزَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: (بَيْنَ مَضْغِ الْـخُبْزِ وَشُرْبِ الْفَتِيتِ قِرَاءَةُ خَمْسِينَ آيَةً)[4].
يا الله!! كم نضيع من الساعات في اللهو واللغو وما لا يرضي الله؟! إذا كانوا حريصين على الوقت في طعامهم وشرابهم ويعتبرونه مضيعةً فكيف بنا؟!! يا الله! لطفك بنا يا رحمن.
قال ابن القيم رحمه الله: (إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها)[5].
وهناك قصة طريفة للشيخ الألباني رحمه الله مع النجَّار وباب المكتبة، تبين مدى حرصهم على الوقت، فقد نادى النَجَّار-نَجَارًا من النَجَّاِرين ناداهُ مرةً- قال لهُ: (أريدُ أن تقلِبَ بابَ المكتبة، بَدَلْ من أن يَفتح على الجهة اليمين تجعله يفتح على الجهة الشِمال. نظر إليه النجار - يعني ما السِّر؟ قال يا شيخ يعني يمين أو شمال ما المشكلة؟ قال-يعني الشيخ الألباني-: تستطيع؟ قال-النجار- طبعا أستطيع لكن قل لي ما السبب؟ قال-الشيخ الألباني-أنا وضعت مكتبي هنا فإذا كان الباب يفتح هكذا سأضطر أن أمشي خمس خُطُوَات زَائِدَة كي أصِل إلى المكتب، فأنا أخرج من المكتب خمس صلوات في اليوم والليلة؛ وقد أخرج مشوارًا لأغراض البيت أو لمحاضرة أو كذا فهذه سبع مرات كل مرة بين ذهاب وإيَّاب، هاذي حوالي ربع ساعة أو ثلث ساعة ضاعت مني، في الأسبوع كم سيضيع؟! في الشهر كم سيضيع؟! لكن إذا فعلنا هكذا تكون رجلٌ في الباب ورجلٌ على المكتب فلا أُضيع وقتي).
| والوَقْتُ أنفَسُ ما عُنِيتُ بحفظهِ |
| وأُرَاهُ أسْهَلَ مَا عَليَّ يَضِيعُ |
يقول عبد الرحمن ابن الإمام أبي حاتم الرازي: ( ربما كان أبي يأكل وأقرأ عليه، ويمشـي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه) فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على استغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات وكتاب التفسير في مجلدات عدة وكتاب السند في ألف جزء.
لهذا فتح الله لهم قلوبًا غلفا وأعينًا عميًا وآذانًا صمًا!!! فإذا كنت تريد اللحاق بهم فاعمل عملهم؛ فالله يسر لك سبل العلم والتقنيات الحديثة ما لم يصل إليه أحدهم، ومع كل ذلك أقول: لا يصل إليهم أحدكم!!! أليس كذلك؟!!!
لقد ضرب لنا السلف الصالح أروع الأمثلة في اغتنام الأوقات حتى آخر رمق في حياتهم، سواءً كان العمل دنيويًا أم أخرويًا، فمن العمل الدنيوي ما أخرجه الطبراني في الجامع الكبير: عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: «ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدا فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها، فقال عمارة: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي».
ومن العمل الأخروي ما روى عن الجنيدِ ابنُ محمدٍ أن الوفاةَ حضرتُه، فأخذ يقرأُ القرآنَ في سكراتِ الموتِ ويبكي، فقالوا له تقرأُ القرآن وأنت في سكراتِ الموتِ! قال: (سبحانَ الله، من أحوجُ مني بقراءةِ القرآنَ وقد أصبحت لحظات تعدُ عليَّ).
لذلك قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شي من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة».
ولذلك شكى وبكى الصالحون والطالحون ضيقَ العمر، وبكى الأخيارُ والفجارُ انصرامَ الأوقات، فأما الأخيارُ فبكوا وندموا على أنهم ما تزودوا أكثر، وأما الفجارُ فتأسفوا على ما فعلوا في الأيامِ الخالية.
قال أهلُ السيرِ: (حضرت الوفاةُ نوحا عليه السلام ، فقيل له يا نوحُ كيف وجدت الحياة؟ قال والذي نفسـي بيدِه ما وجدتُ الحياةَ إلا كبيتٍ له بابان دخلتُ من هذا وخرجتُ من الآخر. فيا ابنَ الستينَ والسبعين أنت ما عشت ألفَ سنة، فكيفَ تصفُ الستينَ والسبعينَ في معاصي الله، وفي انتهاكِ حدودِ الله، وفي التجرؤ على حُرماتِ الله؟!!).
عباد الله: إن تقارب الوقت والزمن وسرعة مروره دون فائدة علامة على قرب الساعة، فقد أخرج الترمذي عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْـجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْـجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ»[6] وفي رواية «وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ الْـخُوصَةُ»[7] أي ورق الجريد اليابس، وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ. قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ الْقَتْلُ»[8] فهذه العلامة من علامات الساعة من أوضح العلامات وأظهرها اليوم؛ إذ أننا نشهد وقوعها اليوم ونراها واضحة جلية، فالوقت يمر على الناس بصورة سريعة تدعو للدهشة والتأمل، فلا بركة في الوقت؛ حتى يخيل إلى الواحد أن السنة كالشهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم؛ ولا أصدق من وصف النبي ﷺ. قال ابن حجر: (قد وجد ذلك في زماننا هذا ، فإننا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصـر الذي قبل عصرنا هذا).
قلت: كيف لو رأى زماننا اليوم ! فنحن اليوم نشهد بوضوح هذه المعاني لتقارب الزمان فلا يوجد بركة في الوقت وأصبح الناس يتحدثون عن السنوات وكأنها أشهر ناهيك عن الأيام والأسابيع !
نسأل الله التوفيق لمرضاته..
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أحبتي في الله: تعالوا بنا إلى تطبيق واقعنا المأمول، وكيف نستثمر وقتنا كما فعل سلفنا الصالح، وذلك من خلال الأسباب التي تعين على حفظ الوقت وتتلخص فيما يلي:
أولًا: محاسبة النفس: وهي من أعظم الوسائل التي تعين المسلم على اغتنام وقته في طاعة الله. وهي دأب الصالحين وطريق المتقين، فحاسب نفسك أخي المسلم واسألها ماذا عملت في يومها الذي انقضى؟ وأين أنفقت وقتك؟ وفي أي شيء أمضيت ساعات يومك؟ هل ازددت فيه من الحسنات أم ازددت فيه من السيئات؟!
ثانيًا: تربية النفس على علو الهمة: فمن ربَّى نفسه على معالي الأمور والتباعد عن سفسافها، كان أحرص على اغتنام وقته، ومن علت همته لم يقنع بالدون، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم:
| على قدر أهل العزم تأتي العزائم |
| وتأتي على قدر الكرام المكارم |
| وتعظم في عين الصغير صغارها |
| وتصغر في عين العظيم العظائم |
ثالثًا: صحبة الأشخاص المحافظين على أوقاتهم: فإن صحبة هؤلاء ومخالطتهم، والحرص على القرب منهم والتأسي بهم، تعين على اغتنام الوقت، وتقوي النفس على استغلال ساعات العمر في طاعة الله، ورحم الله من قال:
| إذا كنتَ في قومٍ فصاحِب خِيارَهم |
| ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدِي |
| عن المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قرينهِ |
| فكلُّ قرينٍ بالمقارَن يقتدِي |
كما يجب الابتعاد عن صحبة مضيعي الأوقات فإن مصاحبة الكسالى ومخالطة مضيعي الأوقات، مهدرة لطاقات الإنسان، مضيعة لأوقاته، والمرء يقاس بجليسه وقرينه، ولهذا يقول عبد الله بن مسعود: «اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله».
رابعًا: معرفة حال السلف مع الوقت: فإن معرفة أحوالهم وقراءة سيرهم لَأكبر عون للمسلم على حسن استغلال وقته، فهم خير من أدرك قيمة الوقت وأهمية العمر، وهم أروع الأمثلة في اغتنام دقائق العمر واستغلال أنفاسه في طاعة الله، وقد سبقت صور مشرقة لذلك.
خامسًا: تنويع ما يُستغل به الوقت: فإن النفس بطبيعتها سريعة الملل، وتنفر من الشـيء المكرر، وتنويع الأعمال يساعد النفس على استغلال أكبر قدر ممكن من الوقت.
سادسًا: إدراك أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يُعوَّض: فكل يوم يمضي، وكل ساعة تنقضي، وكل لحظة تمر، ليس في الإمكان استعادتها، وبالتالي لا يمكن تعويضها. وهذا معنى ما قاله الحسن: (ما من يوم يمرُّ على ابن آدم إلا وهو يقول: يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدِّم ما شئت تجده بين يديك، وأخِّر ما شئت فلن يعود إليك أبدًا).
سابعًا: تذكُّر الموت وساعة الاحتضار: فحين يستدبر الإنسان الدنيا، ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو مُنح مهلة من الزمن، ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل وحان زمن الحساب والجزاء. فتذكُّر الإنسان لهذا يجعله حريصًا على اغتنام وقته في مرضاة الله تعالى.
ثامنًا: تذكُّر السؤال عن الوقت يوم القيامة: فحين يقف الإنسان أمام ربه في ذلك اليوم العصيب فيسأله عن وقته وعمره، كيف قضاه؟ وأين أنفقه؟ وفيم استغله؟ وبأي شيء ملأه؟ فتذكرُ هذا يعين المسلم على حفظ وقته، واغتنامه في مرضاة الله.
تاسعًا: الحرص على الاستفادة من الوقت: فإذا كان الإنسان شديد الحرص على المال، شديد المحافظة عليه والاستفادة منه، وهو يعلم أن المال يأتي ويروح، فلابد أن يكون حرصه على وقته والاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود عليه بالخير والسعادة أكبر، خاصة إذا علم أن ما يذهب منه لا يعود. ولقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على أوقاتهم؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها، وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير، يقول الحسن: (أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم).
عاشرًا: تنظيم الوقت: بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أو دنيوية بحيث لا يطغى بعضها على بعض، ولا يطغى غير المهم على المهم. يقول أحد الصالحين: (أوقات العبد أربعة لا خامس لها: النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية. ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية: فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنَّة من الله عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها، ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر، ومن كان وقته المعصية فسبيله التوبة والاستغفار، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا والصبر).
السبب الحادي عشر لحفظ الوقت: اغتنام وقت فراغه: الفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس فنراهم لا يؤدون شكرها، ولا يقدرونها حق قدرها، يقول أحد الصالحين: (فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ في قِياد الشهوات، شوَّش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه). فلابد للعاقل أن يشغل وقت فراغه بالخير وإلا انقلبت نعمة الفراغ نقمة على صاحبها، ولهذا قيل: (الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غُلْمة) أي محرك للشهوة.
أحبتي في الله: هيا إلى اغتنام الأوقات والعودة إلى رب الأرض والسماوات، وإياكم والتسويف فإن التسويف آفة تدمر الوقت وتقتل العمر، قال الحسن: (إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غدًا لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم). وللأسف فقد أصبح ضياع الوقت والكسل والتأجيل شعارًا لكثير من المسلمين وطابعًا لهم، فإياك أخي المسلم من التسويف فإنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد، وإن ضمنت حياتك إلى الغد فلا تأمن المعوِّقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل، واعلم أن لكل يوم عملًا، ولكل وقت واجباته، فليس هناك وقت فراغ في حياة المسلم، كما أن التسويف في فعل الطاعات يجعل النفس تعتاد تركها، يقول عبد الله بن عمر: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك».
| تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري |
| إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ |
| فكم من سليمٍ مات من غير عِلَّةٍ |
| وكم من سقيمٍ عاش حِينًا من الدهرِ |
| وكم من فتىً يمسـي ويصبح آمنًا |
| وقد نُسجتْ أكفانُه وهو لا يدري |
فبادر أخي المسلم باغتنام أوقات عمرك في طاعة الله، واحذر من التسويف والكسل، فكم في المقابر من قتيل سوف. والتسويف سيف يقطع المرء عن استغلال أنفاسه في طاعة ربه، فاحذر أن تكون من قتلاه وضحاياه.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /خالد بدير بدوي