الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي خلقَ الخلقَ وبرأَ، وأحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَه وذرَا، ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ ﴾ [طه:6]، أحمدُه سبحانه وأشكُره، وأتوبُ إليهِ وأستغفِرُه، على نعمٍ تتكاثَر، وآلاءٍ تترَى.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ الحقِّ واليقينِ والإخلاص، بلا شكٍّ ولا امتِراء، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، المبعوثُ من أمِّ القُرىَ، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه الطيبين الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ الميامين، وأزواجِهِ أُمَّهَاتِ المؤمنين، خيرِ القُرون وسادةِ الوَرَى، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما صبحٌ أقبلَ، وليلٌ سرى.
أما بعد: فأُوصِيكم - أيُّها الناس - ونفسي بتقوَى الله، فاتَّقوا الله - رحمكم الله -، فالميزانُ عند الله التقوَى، وليس الأغنَى وليس الأقوى.
أما بعد:
فإن النصيحة المبذولة لي ولكم عباد الله هي تقوى الخالق جل شأنه، فهي عدة الصابرين، وذخيرة المجاهدين، وسلوان المصابين، ما خاب من اكتسى بها، ولا ندم من اكتنفها، بها النجاة في الأولى، والفوز في الأخرى، لا يسألكم الله رزقًا فهو يرزقكم، والعاقبة للتقوى.
أيها الناس: لعل المسلمين في ثنايا هذه العصور المتأخرة هم أكثر الناس آلامًا، وأوسعهم جراحًا، ولعل أرضهم وديارهم وأموالهم هي التي يستنسـر بها البُغاث وتستأسد الحُمُر، والمسلمون مع ذلك يتجرعون هذه الجراحات في صياصيهم وهم لا يكادون يسيغونها، ويحملون معها أثقالًا إلى أثقالهم، إنهم يُدَعُّون إلى الاستكانة والاستذلال دعًّا، وتتقاذفهم مضارب الغالبين إلى أن يعترفوا بأن حقهم باطل، وباطلَ غيرهم حق، يُزجُّ بهم في كل مضيق من أجل أن يقلبوا الحقائق، ويتقبَّلوا أضدادها على مضض، حتى ينطق لسانهم بالرسم المغلوط والفهم المقلوب، فتكون عبارتهم لعدوهم بلسان حالهم:
| إذا مرضنا أتيناكم نعودكمُ |
| وتخطئون فنأتيكم ونعتذرُ |
والحق أيها المسلمون هو أن المتأمل في هزائم المسلمين المتلاحقة وضعفهم الحثيث واستكانتهم المستحوِذة عليهم أمام أعدائهم يجدُ أنها لم تكن بدعًا من الأمر، ولا هي نتائج بلا مقدمات، ولم تك قط قد قفزت هكذا طفرةً دونما سبب، وإنما هي ثمرة خللٍ وفتوق في ميدان الأمة الإسلامية وتقصير ملحوظٍ تجاه خالقها ورسولها ودينها، وهذه الثغرات والفتوق هي التي أذكاها أعداء الإسلام بما يبثونه عبر سنين عديدة من المكر والخديعة واللَّتِّ والعجن منذ زمن على الإسلام والمسلمين.
وبسبب نقمتها هذه اختبأت وراء صور الاستعمار المتنوعة، تناولُ من خلاله ما تشاء من الأساليب، فإذا احتاج الأمر إلى المكر لانت، وإذا احتاج الأمر إلى القسوة بطشت، وهي في لينها تبثُّ السم في العسل، وفي شدتها تحترف الهمجية والجبروت، وهي في كلتا الحالتين لا تنام عن غايتها أبدًا، ولو نامت بإحدى مقلتيها فإنها بالأخرى يقظانة ساهرة، وهذا سرُّ أسفنا المتصاعد عباد الله.
أيها المسلمون: إن الكثيرين منَّا ليتساءلون إثر كل بلية تحل بدار الإسلام: ما السبب؟ وكيف؟ ولم؟ وممّ؟ وعمَّ؟ كل صور الاستفهام تتناثر صيحاتها في مسامعنا حينًا بعد آخر، ولكن هل نجعل هذا التساؤل جديدًا على أسماعنا؟ أو أن في أفئدتنا وما أعطانا الله من صلةٍ بكتابه العزيز ما يذكِّر بسؤال مماثل للرعيل الأول في أزمة هي من أشد الأزمات التي حلَّت بهم، ألا وهي هزيمتهم في معركة أحد، يندُبون حالهم، ومن ثم يتساءلون فيقول الله عنهم: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ﴾ [آل عمران:165]، فيجيبهم الله بخمس كلمات، لم ينسب ولا في كلمة واحدة سبب الهزيمة إلى جيش، ولا إلى عدة، ولا إلى تحرُّفٍ في قتال، وإنما قال لهم بصريح العبارة: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران:165].
يقول الله لهم ذلك ليبين لهم ولمن بعدهم بوضوح أن خواتيم الصـراعات والمدافعات بين الأمم على كافة الأصعدة لا يمكن أن تقع خبْط عشواء، وإنما هي وفق مقدمات أثمرت النتيجة بعد استكمال أسبابها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى:30].
تقع الهزائم ليستيقظ الناس، وتتوالى الضربات لتحل المحاسبة محل النفس، ويتضح مثلُ هذا بما أتبع الله الآية بقوله: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٦٦﴾ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ﴾ [آل عمران:166‑167].
لقد كتب الله سبحانه على نفسه النصـر لرسله وأوليائه فقال سبحانه: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة:21]، ولكن الله سبحانه علَّق هذا النصـر بتحقيق الإيمان في القلوب واستيفاء مقتضياته في كل مناحي الحياة، وهذه هي سنة الله في النصر، وسنة الله لا تحابي أحدًا.
وحين تُقصِّر الأمة وتفرِّط فعليها أن تقبل النتيجة المُرّة لأنها مع كونها مسلمة إلا أن ذلك لا يقتضي خرْق السنن وإبطال النواميس.
أيها المسلمون: إن على رأس الضعف الأصيل البعدَ عن تشخيص الأحداث بصورتها الحقيقية، مع الاكتفاء بمجرد التلاوم وإلقاء التبعة على الغير، فعامة الناس يلقون باللائمة على العلماء والمصلحين والمثقفين، وهؤلاء بدورهم يلقون باللائمة على الساسة والقادة الآخرين، وما القادة والساسة والعلماء والمصلحون والعامة إلا جزءٌ من كل، ولا استقلال في اللوم لصنف دون آخر، وإلا كان جُرمًا واستكبارًا وخروجًا عن الواقعية، فرسول الله يقول: «كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته»[1]. ولا شك أن كلًا عليه من التبعة بقدر ما حُمل من المسؤولية.
عباد الله: لأجل أن نصل إلى حال راقية من المكاشفة والوضوح في الطرح، ولأجل أن نحسن تشخيص الداء لنستجلب الدواء، فإن ثمت مفاهيم ينبغي أن لا تغيب عن أذهاننا طرفة عين حتى تصل إلى المقصود ويتحد الهدف.
فمن هذه المفاهيم أن الناس إن لم يجمعهم الحق شعَّبهم الباطل، وإذا لم توحِّدهم عبادة الرحمن فرَّقتهم غواية الشيطان، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة اجتالهم متاع الدنيا فتخاصموا عليها، ولو غلغلنا النظر في كثير من الانقسامات لرأينا حب الدنيا والأثرة العمياء تكمن وراء هذه الحزازات، وهذا هو سرُّ الوهن العظيم الذي سُئل عنه النبي حين قال: «وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن»، قيل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»[2].
ويظهر هذا الأمر جليًا في سبب من أسباب هزيمة المسلمين في أحُد حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ [آل عمران:152]، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «والله ما علمت أن معنا في أحُد من كان يريد الدنيا إلا لما نزلت هذه الآية»، ولأجل هذا عباد الله كانت هذه الهزيمة، حينما لم يستجب أقوام منهم لوصية الله تبارك وتعالى في أول عظة للمسلمين بعدما انتصروا في معركة بدر بأن يوحدوا صفوفهم ويلموا شملهم، حيث قال سبحانه: بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال:1]، أنزل الله عليهم هذه الآية ليقطع على النفس مطامع الدنيا وغلبةَ حب الغنيمة على حب نصر دين الله ورفعته.
ومن المفاهيم التي يجب أن تُعرف هو أن منطق الأعداء الحاقدين واحد، وهو برمَّته ليس جديدًا على الساحة العامة، كما أن قلب الحقائق وتشويه صورة المسلمين ليست هي بدعةً العصر الحديث، فمنطق المجرمين واحد ولو تطاولت القرون، وإن شئتم يا رعاكم الله فاسمعوا قول فرعون عن موسى عليه السلام: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾ [غافر:26]، هذا هو منطق فرعون الأول، يُظهر غيرته على دين الناس وأمنهم، فهو يخاف عليهم من إفساد موسى في الأرض، فيقرِّر أن موسى يُرهب أهل الأرض جميعًا، فهو لا يستحق البقاء، هذا هو منطق فرعون الأمس، وها هو التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، فهل يتعظ المسلمون ويقولون من بعد ذلك: ﴿ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران:165].
إن استجابة النفس للدعاوى الأفاكة والاستسلام لشيوعها والتي تصل بسبب قوة طرحها والتأثير الإعلامي لها إلى درجة الرضا بها والقبول لها، ومن ثَمَّ يتحول الافتراء إلى حقيقة مسلَّمة وواقع لا مماراة فيه، ولنضرب مثالًا على هذا فنقول: نحن نعلم أن حقوق المسلمين ودماءهم في أقطار كثيرة تُهدر وترخُص، حتى لو داهمهم مغتصب واستولت عليهم يد معتدٍ فأبدوا مقاومة واهنة أمام المغير عليهم، ودفعوا براحاتهم أفتكَ أنواع السلاح، ارتفعت صيحاتٌ وشِنشِنات أخزمية تقول: المسلمون معتدون، المسلمون إرهابيون، ومن ثمَّ يكون هذا تبريرًا للدبابات والمجنزرات في أن تصبَّ جام غضبها على أمة لا تملك إلا الحجارة، ويبدو أن مثل هذا الإفك لا ينقطع أبدًا، وأن الإصرار بأن المسلمين إرهابيون أكذوبة كبرى، فهي كما يقول علماء النفس: (نوع من الإسقاط الذي يدفع المرء إلى اتهام غيره بما في نفسه هو من شر)، وقديمًا قيل: (كل إناء بما فيه ينضح).
ومع ذلك كله تصاب أمة الإسلام بصدمة عنيفة من قبل آراء عالميّة تصف المالك الطريد إرهابيًا لا حق له، وتجعل اللصَّ الغالب ربَّ بيت محترمًا، ثم بعد ذلك يقول المسلمون: ﴿ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران:165].
ومفهومُ رابع يتجلى في الحذر من المغرضين وبني جلدة المسلمين، والذين يُعرفون في لحن القول: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ [محمد:26]، هم سِرٌّ في ضعف المسلمين، وثغرة صارخة في صفوفهم، يُعدّ أمثالهم في دول كبرى طابورًا خامسًا حسب قواميسهم، فهم يتَّقونهم في مجتمعاتهم وبكل ما يملكون من سبل، وإن معرفة مثل هؤلاء والوقاية منهم سبب رئيس في تحصيل القوة، والبعد عن الهزيمة. وعلينا أن نعلم جميعًا أن الله سبحانه وتعالى فعل ما فعل بالمسلمين في أحُد لحِكم ظاهرة، منها قوله جل وعلا: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ [آل عمران:167].
ومفهوم خامس عظيم، وهو أن تغيير هذا الواقع المرير إلى واقع رفيع مرهون ولا شك بتغيير واقع الناس أنفسهم، وهذا يعني بداهة أنه متى دبّ الضعف وتأخر النصر فإن هناك أسبابًا تؤخره بلا ريب، ورأس هذه الأسباب هو أن الباحثين عن نصـر الله وتغيّر حالهم لم يغيّروا ما بأنفسهم، ولذلك كان الغُنْم بالغُنْم، والغُرم بالغُرم، والله جل شأنه يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد:11].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياك بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان.
الحمد لله الكبير المتعال، له الحمد على كل حال، وله الشكر بالغدوّ والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شديد المحال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المفضال، صاحب النوال، وسديد المقال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه والآل.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون: واعلموا أن ثمت مفهومًا مهمًا ينبغي أن لا يُغفل عنه، لأنه لبٌّ في الموضوع، وعمود ارتكاز في التصحيح، ألا وهو المعصية وما لها من أثر وشؤم وموقع عظيم في تحديد معايير النصر والهزيمة.
وإن من يلقي النظر إلى غزوة أُحد وإلى السبب الرئيس للهزيمة لوجد أنه يكمن في المعصية، والتي تلقَّى المسلمون بسببها لطْمة موجعة أفقدتهم من رجالهم سبعين بطلًا، على رأسهم سيد الشهداء حمزة رضي الله تعالى عنه، فردتهم الهزيمة إلى المدينة وهم يعانون الأمرّين من جرائها وشماتة كفار قريش.
وإن تعجبوا عباد الله فعجبٌ أمر هذه المعصية في أُحد، إنها لم تكن في فشوِّ زنًا بينهم، ولا في احتساء خمرةٍ مسكرة، ولم تكن في إقصاء شريعة وتحكيم قوانين خارجة عنها، ولا في فساد امرأة أو انحراف شباب، بل إنهم خرجوا إلى أُحد ومعهم إيمانهم بالله وحبهم لرسوله ودفاعهم عن الحق وطلبهم رفعة الدين ونصرته، وكل ذلك في الواقع يرشّحهم بأقوى أنواع الترشيح في أن ينتصروا ولا يُهزموا، ولكن يَبْلو الله المؤمنين في أحد، فينزل الرماة عن الجبل، لا لقصد عصيان الرسول، ولكن لِما رأوه من الانتصار للمسلمين، فخاف بعضهم فوات حظه من الغنائم، ثم كانت الكارثة، هزيمة موجعة، فاجعة مهولة، وأثابهم الله غمًا بغم، وكُسرت رباعية الرسول، وشُج رأسه، وقتل سبعون شهيدًا.
فالله أكبر ما أعظم أثر المعصية على واقع المسلمين حتى في أحلك الظروف، تلك هي معصيتهم فما هي معاصينا إذا؟! إنه لسؤالٌ صعب، والجواب عنه أشد من لعق الصَّبِر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول الرسول: «إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم»[3].
إن شؤم المعصية، يعمُّ مهما قلَّ حجمه، أو ضعف الاكتراث به، يمحق البركة، ويفسد العمل..
فرحماك رحماك يا رب رحماك، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال عز من قائل عليم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /سعود الشريم