حجم الخط:

قصة حكمة سليمان بن داود عليهما السلام

الخطبة الأولى:

الحمد لله أحمده عز وجل وأشكره، آتى سليمان العلم والحكمة وعلمه مما يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

عباد الله: يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥﴾ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:15-16].

لقد وهب الله عز وجل المُلك لداود على بني إسرائيل، وشدّ الله ملكه، وآتاه من كل ما يحتاجه المُلك، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، فهو يحكم بينهم، ويدلون بحججهم عنده، وهو يفصل بينهم.

ثم وهبه الله عز وجل سليمان عليه السلام، وعندما كان سليمان في الحادية عشرة من عمره وكان أبوه شيخًا كبيرًا في السن دنت به السنون إلى الأجل المحتوم، فأصبح دائب التفكير في أمر قومه، مهتمًا بمن تكون له الولاية من بعده، يرى أبناءه من حوله وسليمان وإن كان صبيًا إلا أنه يفضلهم علمًا وحكمة، وأصبح سليمان في هذا السن -الحادية عشـرة- قادرًا على أن يصرف الأمور تصريف الناقد البصير، وكان من عادة داود أن يحضـر ابنه سليمان مجلسه، والخصومات ويريه القضايا التي ترد بين يديه حتى تزداد قوة معرفته ورأيه، فكان سليمان ملازمًا لأبيه في مجلسه.

وفي مجلس من مجالس القضاء جلس النبي الملك داود، وجلس بجانبه ابنه سليمان، فأتى خصمان، قال أحدهما: إن زرعًا له قد آتى ثمره ودنت قطوفه وصار بهجة الناظر وعتاد الزارع، فانتشرت فيه غنم خصمه ولم يردها رادّ، بل سامت وانسابت في الزرع ليلًا فأهلكته وأبادته حتى صار أثرًا بعد عين، ولم يدفعه ولم يرد دعواه صاحب الغنم بحجة ولا دليل، فلزمته الحجة، وحقت عليه كلمة القضاء، فحكم داود بالغنم لصاحب الزرع يأخذها خالصة مقابل زرعه الذي أكلته وأتلفته، وجزاء إهمال صاحبها الذي تركها فنفشت الزرع بالليل -أي رعته ليلًا بلا راع-.

ولكن الصبي سليمان وقد آتاه الله علمًا وحكمة وأوقفه على دقيقات هذه الخصومة انبرى في مجلسه، وفك عقال صمته، واستأذن والده في الحكم فقال: «غير هذا أرفق، ودون هذا أوفق: تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها، وتسلّم الأرض إلى أصحاب الغنم يقومون على زراعتها حتى تعود كما كانت، ثم يترددان فيأخذ كل ما كان تحت يمينه، وبذلك لا يكون هناك غرم ولا غنم، فهذا أقرب إلى العدل وأصح في الحكم وأولى في القضاء»، قال الله تعالى في ذلك: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴿٧٨﴾ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:78-79]. فكان هذا مبدأ ظهور أمر النبي سليمان عليه السلام الذي كان خير خلف لأبيه فيما بعد.

أيها الناس: لقد ورث سليمان داود في الملك والنبوة، فاتجهت همته إلى بناء بيت المقدس بالشام تسهيلًا لأسباب العبادة، فأقام بنيانه شامخًا، ولما تم له ذلك اطمأن قلبه وسكنت نفسه.

آتى الله نبيه سليمان العلم والحكمة وعلمه منطق الطير وآتاه من كل شيء، قال تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16].

لقد وهب الله عز وجل لداود سليمان عليهما السلام، قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٣٠﴾ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [ص:30-31] أي: الخيل التي تقوم على يد ورجل، السـريعة الجري، ﴿ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32]، أي شغلتني الخيل عن ذكر الله حتى أغربت الشمس حتى فاتت عليه صلاة العصر، ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص:33]، أي: أخذ يذبحها تقربًا إلى الله عز وجل حتى لا تشغله عن ذكر الله وطاعته.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]، أي: ابتليناه بأن ألقينا على كرسي ملكه صنمًا، وكان ذلك أمرًا عارضًا، ثم رجع إلى الله بالتوبة والاستغفار، ورجّح بعض أهل العلم أن المقصود بهذا الجسد: هو شق غلام جاءت به إحدى نسائه، حيث إنه - كما في الصحيحين- قال يومًا لجلسائه: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له جليسه - وكان ملَكًا -: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلم تأت إلا امرأة منهن بشق غلام».

ولقد روى الأثريون ها هنا قصصًا مطولة ومختصـرة مؤتلفة ومختلفة. قال ابن كثير: (وكلها متلقاة عن أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون بنبوة سليمان عليه السلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في سياقها منكرات).

والمراد هنا فتنة سليمان أنها اختبار من الله له عليه السلام لما آتاه الله من الملك ومدى طاعته لله حتى ظهر فضله فقط، ثم بعد ذلك آتاه الله الملك العظيم، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿٣٥﴾ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴿٣٦﴾ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴿٣٧﴾ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴿٣٨﴾ هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٩﴾ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:35-40].

وفي يوم من الأيام جمع سليمان عساكره من الجن والإنس والطير، فرأتهم نملة متوجهين إلى وادي النمل فصاحت بهن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، أي لا يعلمون بمكانكم، فنادت، وأمرت، وحذّرت وأنذرت، وبرّرت واعتذرت لسليمان وجنوده بأنهم لا يشعرون، فما كان من سليمان عليه السلام إلا أن تبسم ضاحكًا من هذا القول البديع حين أسمعه الله قولها وأفهمه لغتها، ودعا الله عز وجل معترفًا مبتهلًا أن يلهمه شكر نعمه عليه وعلى والديه، وأن يعمل صالحًا يرضى الله، وأن يدخله برحمته في عباده الصالحين.

ويومًا آخر.. تفقد سليمان الطير فوجدها جميعًا إلا الهدهد، وقد كان يطلبه ليدله على الماء، فلم يجده، فأقسم ليعذبنه أو ليذبحنه إلا أن يأتي بحجة واضحة يبين فيها عذره ويزيل ما يخالج النفس في أمره، وهذا من عدل سليمان وأناته وعدم تسـرعه حتى مع مخلوق صغير وطائر حقير، ولكن الهدهد غاب مدة قصيرة وعاد يخفض رأسه وذنبه متواضعًا لسيده، وتقدم الطائر ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿٢٢﴾ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل:22‑26].

وهنا ندرك تواضع سليمان عليه السلام حينما قال له الهدهد: ﴿ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22]، وهذه لفتة للأب والمربي وحتى الصديق وكل إنسان أن لا تأخذه العزة بالإثم أو الكبرياء واحتقار الآخرين، أو تسفيه آرائهم قبل استماعها ووزنها بميزان الحق والعدل، مع الأناة والتثبت، كما فعل سليمان مع الهدهد، فلم يستعجل في العقوبة، ولم يحكم بالشُّبهة والظن، بل ترك للهدهد الفرصة في الدفاع عن نفسه وإبداء حجته وعذره.

دُهش سليمان لهذا الأمر العجيب، ورأى أن لا يرد الهدهد في خبره، وقال ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل:27-28] إن كان الأمر كما وصفت فهذا كتاب اذهب به وألقه إليهم ثم تنحَّ عنهم إلى مكان تنتظر رأيهم وترقب جوابهم، فحمل الهدهد الكتاب، ثم سار به إلى بلقيس ملكتهم، فوجدها في قصرها في مأرب باليمن، فطرح الكتاب أمامها، فتلقفته وقرأته فإذا فيه: ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:30-31].

فجمعت الملكة بلقيس أمراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها لتخبرهم عن أمر هذا الكتاب وتأخذ رأيهم فيه، فقالوا: نحن أبناء حرب وجلاد، لا أهل رأي وسداد، وقد تركنا أمورنا لتدبيرك، فانظري ماذا تأمرين نكن طوع أمرك. لمحت الملكة في كلام رجالها ميلًا إلى الحرب والمدافعة، فخطّأت رأيهم، وأبانت لهم أن الصلح خير وأحسن، فقالت: إن الملوك إذا غلبوا قرية ودخلوها عنوة بحرب خربوها، فأبادوا حضارتها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، فذلك دأبهم ما تعاقبت الأيام وتوالت الأزمان، وإني مرسلة إلى سليمان بهدية فيها من كل غال وثمين، أُصانعه بها على ملكي، وأتبين بها سبيله وماذا يريد، وكانت ذكية عاقلة.

ثم بعثت إلى سليمان بهدية مع رجال من كرام القوم، فانتقل الرسل بالهدايا، وأقبل الهدهد إلى سليمان يبثه الخبر، فاتخذ سليمان للأمر عدته، وأمر الجن فزينوا له بناءً عجيبًا وصرحًا مشيدًا يسلب الألباب، ويبهر أعين الناظرين، فلما دنا القوم نظروا إليه فبهتوا وأقبل عليهم سليمان بوجه طلق يرحب بقدومهم بما حملوا من هدايا ونفائس يبتغون بها رضا وقبولًا من النبي الكريم.

فعفّ سليمان عما في أيديهم وقال للرسول: ارجع إليهم بهديتهم، فإن الله أعطاني الرزق السخي والعيش الرضي، ومد لي أسباب النبوة والملك، وآتاني ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين، ولا يمكن أن أقبل بمالٍ يلهيني عن الدعوة إلى الله، فأنتم بهديتكم تفرحون، ارجع -أيها الرسول- إليهم فلنأتينهم بجنود لا قدرة لهم بهم ولا احتمال، ولنخرجنهم من أرضهم -أرض سبأ- أذلة صاغرين، ذاهبًا عنهم العز والملك والسلطان.

عاد الرسل فأخبروا بلقيس بما رأوا وما سمعوا، وشاهدوا من الملك العظيم، والسلطان الواسع، والقوة التي لا مثيل لها، فقالت: ليس لنا بدٌ من السمع والطاعة، فلنبادر إجابته ونسارع لقبول دعوته.

وكان ذلك من عقلها وحكمتها وأناتها، ورُب امرأة فطنة فيها من رجاحة العقل ولطف الجواب وحسن التدبير ما ليس في بعض الرجال..

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة خاتم رسله، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون: لما سمع سليمان بقدوم بلقيس وقومها عليه ووفودهم إليه، قال لمن بين يديه ممن سخره الله له من الجن: أيكم يأتيني بعرشها -أي كرسي الملك- قبل أن يأتوني مسلمين؟! قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن ينقضـي مجلس حكمك فتقوم من مقامك، وإني لذو قوة على إحضاره، وأمين على ما فيه، ثم قال الذي أوتي العلم والحكمة: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، أي نظرك بالعين، أي في سرعة هائلة.

وصل عرش بلقيس إلى سليمان في لمح البصر، فما كان منه إلا أن قال وهو في قمة عزه وملكه، وقوته وسطوته، هذا من فضل ربي عليّ، وتلك نعمة من نعمه، ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن حسنت النعمة لديه وصادفت من قلبه مكانًا فشكر ربه فإنما يشكر لنفسه، لأنه المستحق للشكر، وأما من كفر بنعمة ربه فإنما هو من الذين خسروا الدنيا والآخرة، والله غني عن العالمين. لم تغرّه الجنود المحتشدة، ولا الملك العظيم، بل اعترف للمنعم، وشكر النعم، وهذا هو سبب دوامها، خلاف ما قاله قارون حين اغتر بما آتاه الله من الأموال، فقال: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78]، فخسف الله به وبداره وأمواله الأرض.

ثم قال سليمان لجنوده: نكّروا لها عرشها، فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟! فاستبعدت أن يكون ذلك عرشها وقد خلّفته بأرض سبأ، ولكنها في نفس الوقت رأت معالمه وتبينت بعض علاماته ومحاسنه، فدهشت لذلك الأمر الغريب فأجابت بجواب متوسط، لا بإثبات مطلق، ولا بنفي مطلق، بل قالت: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ [النمل:42]، وهذا من عقلها أيضًا.

وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج أبيض، ثم دعا ملكة سبأ إليه، فلما رأته حسبته لجة، أي ماءً عظيمًا، فكشفت عن ساقها، أي للخوض فيه، فقال لها سليمان: إنه صرح ممرد من قوارير، أي إنه صرح مملس من الزجاج، عند ذلك انكشف حجاب الغفلة عنها وعلمت أن هذه خوارق لا تكون إلا لنبي، فقالت: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:44]، فدعت الله عز وجل واعترفت أنها مالت زمنًا عن عبادته، وضلت عن رحمته، فظلمت نفسها وحبستها عن نور الله، أما الآن فقد أسلمت مع سليمان خالصة الإيمان بالله متوجهة إلى طاعته، فهو رب العالمين وأرحم الراحمين.

أيها الناس: لقد أسال الله عز وجل لسليمان القطر، أي النحاس المذاب، وهي عين مصطهرة تقذف بالنحاس من باطن الأرض، فيقبل عليه صُنَّاعُه من الجن للانتفاع به في شتى أعمال الإصلاح والتعمير، ومن الجن من يعمل له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، -المحاريب: مساكن ومحال شريفة أو مساجد، والتماثيل: صور ونقوش منوعة على الجدر والأسقف والأعمدة، وجفان كالجواب: أي صحاف كالحياض الكبار، والجفان جمع جفنة، وهي كالصحفة والقصعة، وقدور راسيات: أي ثابتات، فهي لكبرها وعظمتها لا تزال في مواضعها التي وضعت فيها.

عباد الله: وأما عن موت سليمان عليه السلام، فقصته عجيبة، فبينما كان يصلي عليه السلام في محرابه، مات وهو متكئٌ على عصاه، وكما نعلم بأن الشياطين والجن كانوا مسخرين له عليه السلام، وأن مثلهم مثل الإنس لا يعلمون الغيب، فبقي كل منهم يؤدي المهمة التي كُلّف بها، وهم ينظرون إليه، ولا يعلمون أنه قد مات، فصارت دودة الأرض، تأكل من عصاه، فإنهار الجزء الذي أكلته فاختل توازنه، فسقط عليه السلام، عندها علم الناس والجن أنه قد مات، وذلك قول الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14].

اللهم علمنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، ونسألك اللهم قلبًا خالصًا، ولسانًا ذاكرًا صادقًا..

وصلوا -عباد الله- وسلموا على خاتم رسل الله نبينا محمد ﷺ.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / مسفر بن سعيد الزهراني

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة